العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٨ - باب اللغز
امضوا بنا إليه الليلة!فبعثت إليه الجارية: إن القوم سيأتونك الليلة، فاحذر على نفسك!فلما أمسى قعد على مرقاة و معه قوسه و سهمه، و وقع بالحيّ في الليل مطر، فاشتغلوا عنه؛ فلما كان آخر الليل و انقشع السحاب و طلع القمر، اشتاقته الجارية فخرجت تريده و معها صاحبة لها من الحي كانت تثق بها؛ فنظر الفتى إليهما فظن أنهما يطلبانه، فرمى فما أخطأ قلب الجارية، فوقعت ميتة، و صاحت الأخرى و رجعت؛ فانحدر الفتى من الجبل فإذا الجارية ميتة، فقال:
نعب الغراب بما كرهـ # ت و لا إزالة للقدر
تبكي و أنت قتلتها # فاصبر و إلا فانتحر
ثم وجأ بمشاقصه [١] في أوداجه حتى مات؛ فجاء أهل المرأة فوجدوهما ميّتين، فدفنوهما في قبر واحد!
باب اللغز
كانت في أبي عطاء السندي لثغة قبيحة، فاجتمع يوما في مجلس بالكوفة فيه حماد الراوية، و حماد عجرد، و حماد بن الزبرقان، و بكر بن مصعب؛ فنظر بعضهم إلى بعض و قالوا: ما بقي شيء إلا و قد تهيأ في مجلسنا هذا، فلو بعثنا إلى أبي عطاء السندي! فأرسلوا إليه، فأقبل يقول: مرهبا مرهبا!هياكم اللََّه!و قد كان قال أحدهم. من يحتال لأبي عطاء حتى يقول: جرادة، و زج [٢] ؟و شيطان!فقال حماد الراوية: أنا! فقال: يا أبا عطاء؛ كيف علمك باللغز؟قال: هسن، يريد: حسن، فقال له:
فما صفراء تكنى أمّ عوف # كأنّ سويقتيها منجلان [٣]
قال: زرارة. فقال: أصبت، ثم قال:
[١] وجأ بالمشقص: دفع بجمع كفه سهما عريض النصل في عنقه.
[٢] الزج: الحديدة في اسفل الرمح.
[٣] السّباق: الرباط، أو القيد.