العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٩ - احتجاج المحرمين لقليل النبيذ و كثيره
عصير العنب لا يسمى خمرا حتى يشتد. و ان صدر هذه الامة و الائمة في الدين لم يختلفوا في شيء كاختلافهم في النبيذ و كيفيته...
ثم قال فيما حكم بين الفريقين: أما الذين ذهبوا إلى تحريمه كلّه و لم يفرقوا بين الخمر و بين نبيذ التمر، و بين ما طبخ و بين ما أنقع، فإنهم غلوا في القول جدا، و نحلوا قوما من أصحاب رسول اللََّه صلّى اللّه عليه و سلّم و سلم البدريّين، و قوما من خيار التابعين، و ائمة من السلف المتقدمين، شرب الخمر، و زيّنوا ذلك بأن قالوا: شربوها على التأويل و غلطوا في ذلك، فاتهموا نظرهم و نحلوهم الخطأ، و برّءوا أنفسهم منه.
فعجبت منه كيف يعيب هذا المذهب، ثم يتقلده، و يطعن على قائله ثم يقول به! إلا اني نظرت إلى كتابه، فرأيته قد طال جدا. فاحسبه أنسي في آخره ما ذهب اليه في أوله؛ و القول الاول من قوله هو المذهب الصحيح الذي تأنس إليه القلوب و تقبله العقول، لا قوله الآخر الذي غلط فيه!.
احتجاج المحرمين لقليل النبيذ و كثيره
ذهبوا اجمعون إلى ان ما اسكر كثيره من الشراب فقليله حرام كتحريم الخمر و قال بعضهم: بل هو الخمر بعينها، و لم يفرقوا بين ما طبخ و بين أنقع، و قضوا عليه كله أنه حرام؛ و ذهبوا من الاثر إلى حديث رواه عبد اللََّه بن قتيبة عن محمد بن خالد ابن خداش عن ابيه عن حماد بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر: أن رسول اللََّه صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «كل مسكر حرام، و كل مسكر خمر» . و حديث رواه ابن قتيبة عن إسحاق بن راهويه عن المعتمر بن سليمان عن ميمون بن مهدي عن أبي عثمان الانصاري عن القاسم عن عائشة: ان النبي صلّى اللّه عليه و سلّم قال: «كل مسكر حرام، و ما أسكر منه الفرق فالحسوة منه حرام» .