العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٣٧ - نوادر أبي محمد الأعمش
الى رجل قد أقبل يريد أن يسأله، تناول حبة فأكلها، فيكفي الرجل السؤال و نفسه الردّ! قال رقبة بن مصقلة: سفه علينا الأعمش يوما، فقالت امرأته من وراء ستر:
احملوا عنه، فو اللََّه ما يمنعه من الحج منذ ثلاثين سنة إلا مخافة أن يلطم كريّه [١] أو يشتم رفيقه.
طلبت بنت الأعمش من الأعمش حاجة، فحجبها بالردّ، فقالت: و اللََّه ما أعجب منك، و لكني أعجب من قوم زوّجوك! و دخل رقبة بن مصقلة على الأعمش، فقال: و اللََّه إنا لنأتيك فما تنفعنا، و نتخلف عنك فما تضرّنا، و إن الوقوف إليك لذلّ، و إن تركك لحسرة؛ تسأل الحكمة فكأنما تسعط [٢] الخردل، و ما أشبهك إلا بالصماخيفون [٣] ، فإنه كريه الشربة نافع للمعدة! فرفع الأعمش رأسه و قال: من هذا المتكلم؟فقيل له: رقبة بن مصقلة فنكس رأسه.
و قال رجل من تلاميذ الأعمش: صنعت للأعمش طعاما ثم دعوته، فمضى معي و أنا أقوده، حتى سقطت رجله في حفرة يعملها الصبيان للكرة، فقال: ما هذا؟قلت حفرة يعملها الصبيان للكرة. قال: لا. و لكنك حفرتها لتقع رجلي فيها!و اللََّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما!قال: فحملت الطعام إليه، ثم صنعت له بعد ذلك طعاما و دعوته إليه، فقال: ادخل بنا الحمام قبل ذلك. فأدخلته الحمام، فلما جئت لأصبّ الماء الحارّ على رأسه، قال: ما دعاك إلى هذا أردت أن تسلخ قفاي!و اللََّه لا أكلت عندك يومي هذا طعاما!قال: فحملت الطعام إليه! و كثر الشعر على الأعمش، فقلت له: لم لا تأخذ من شعرك؟قال: لا أجد حجّاما يسكت حتى يفرغ. قلنا له: فإنا نأتيك بحجام و نتقدّم إليه أن يسكت حتى يفرغ. قال: فافعلوا!
[١] كريّه: المكاري.
[٢] يسعط الخردل: اي يدخل الخردل في انفه.
[٣] لم نقع على هذه الكلمة من لسان العرب، و قد يكون اسما لدواء معين.