العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠١ - يوم دارة جلجل
قال: و جعلت لا أنازعها في شيء إجلالا لها، فلما أمسينا وصلينا المغرب و جاءت العشاء الأخيرة، وضعت القضيب، فقمت فصليت العشاء و ما أدري كم صليت، عجلة و شوقا؛ فلما صليت قلت: تأذنين جعلت فداك في الدنوّ منك؟قالت: تجرّد! و أشارت إلى ثيابها كأنها تريد أن تتجرّد؛ فكدت أن أشق ثيابي عجلة للخروج منها؛ فتجرّدت و قمت بين يديها مكفّرا لها؛ قالت: امض الى زاوية البيت و أقبل و أدبر، حتى أراك مقبلا و مدبرا.
قال: و إذا حصير في الغرفة، عليه طريق إلى زاوية البيت، فخطرت عليه، و إذا تحته خرق [١] إلى السوق، فإذا أنا في السوق قائما مجرّدا منعظا [٢] !و إذا الشيخان الشاهدان قد أعدا لي نعالهما، و كمنا لي في ناحية، فلما هبطت عليهما بادرا إليّ فقطعا نعالهما [٣] على قفاي، و استعانا بأهل السوق؛ فضربت و اللََّه يا أبا محمد حتى نسيت اسمي؛ فبينا أنا أضرب بنعال مخصوفة و أيد شديدة، إذا صوت يغنّي به من فوق البيت، و هو:
و لو علم المجرّد ما أردنا # لحاربنا المجرّد بالصحاري
فقلت في نفسي: هذا و اللََّه وقت هذا البيت!فنجوت إلى رحلي و ما فيّ عظم صحيح؛ فسألت عنها فقيل لي: إنها امرأة من آل أبي لهب!فقلت: لعنها اللََّه و لعن الذي هي منه!
يوم دارة جلجل
قال الفرزدق: أصابنا بالبصرة ليلا مطر جود، فلما أصبحت ركبت بغلتي و سرت إلى المربد، فإذا أنا بآثار دواب و قد خرجت إلى ناحية البرية، فظننت أنهم قوم خرجوا للنزهة، و هم خلقاء أن يكون معهم سفرة، فاتبعت آثارهم حتى انتهيت إلى بغال عليهم رحائل موقوفة على غدير، فأسرعت إلى الغدير، فإذا فيه نسوة
[١] الخرق: الثقب في الحائط أو غيره.
[٢] المنعظ: الذي نعظ ذكره، اي قام و انتشر.
[٣] النعال المخصوفة: التي خرزت بالمخصف، و هو المخرز.