العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٩ - حديث المجرّد
درهم فدفعتها إلى الصبيّ فسكت؛ فإذا وجه رقيق كأنه كوكب درّي، و إذا شكل رطب و لسان فصيح؛ فلما رأتني أحدّ النظر إليها، قالت: اتبعني!فقلت: إن شريطتي الحلال!قالت: ارجع في حرامك!و من يريد بك على حرام؟فخجلت، و غلبتني نفسي على رأيي، فتبعتها، فدخلت زقاق العطارين فصعدت درجة و قالت: اصعد! فصعدت، فقالت: أنا مشغولة و زوجي رجل من بني مخزوم، و أنا امرأة من زهرة! و لكن عندي حر ضيّق، عليه وجه أحسن من العافية، في مثل خلق ابن سريج، و ترنم معبد، و تيه ابن عائشة؛ أجمع لك هذا كله في بدن واحد بأشقر سليم. قلت: و ما أشقر سليم؟قالت: بدينار واحد يومك و ليلتك، فإذا قمت جعلت الدينار وظيفة و تزويجا صحيحا. قلت: فذلك لك إن اجتمع لي ما ذكرت. قال: فصفقت بيدها إلى جاريتها، فاستجابت لها، قالت: قولي لفلانة: البسي عليك ثيابك و عجّلي، و باللََّه لا تمسّي غمرا [١] و لا طيبا، فحسبك بدلالك و عطرك.
قال: فإذا جارية أقبلت ما أحسب أن الشمس وقعت عليها، كأنها دمية، فسلمت و قعدت كالخجلة.
فقالت: لها الأولى: إن هذا الذي ذكرته لك، و هو في هذه الهيئة التي ترين.
قالت: حيّاه اللََّه و قرّب داره. قالت: و قد بذل لك من الصداق دينارا. فقالت: أي أمّ، أخبرتيه بشريطتي؟قالت: لا و اللََّه يا بنية، لقد نسيتها. ثم نظرت إليّ فغمزتني و قالت: أ تدري ما شريطتها؟قلت: لا. قالت: أقول لك بحضورها ما إخالها تكرهه، هي و اللََّه أفتك من عمرو بن معد يكرب، و أشجع من ربيعة بن مكدّم، و لست بواصل إليها حتى تسكر و تغلب على عقلها، فإذا بلغت تلك الحال ففيها مطمع. قلت: ما أهون هذا و أسهله! قالت الجارية: و تركت شيئا آخر!قالت: نعم و اللََّه، أعلم أنك لن تصل إليها حتى تتجرد لها، و تراك مجرّدا مقبلا و مدبرا. قلت: و هذا أيضا أفعله!قالت: هلمّ دينارك!فأخرجت دينارا فنبذته إليها؛ فصفقت صفقة أخرى، فأجابتها امرأة؛
[١] الغمر: طلاء تطلى به العروس يتخذ من الورس.