العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٦ - زواج المأمون ببوران
و مسرور بها؛ فقالت لي: ابن عمك هذا من أبناء التجار؟قلت: نعم، فديتك نحن لا نعرف إلا التجارة!قالت و إنكما فيها لغريبان!ثم قالت: موعدك!فقلت: لعمري إنه لمجيب، و لكن حتى نسمع شيئا. قالت: لك ذاك. فأخذت العود فغنت صوتا، فشربنا عليه رطلا؛ ثم غنت بصوت كان المأمون يقترحه عليّ، فشربنا عليه رطلا.
فلما شرب المأمون ثلاثة أرطال، داخله الفرح و الارتياح و قال: يا إسحاق؛ فو اللََّه لقد رأيته ينظر إليّ نظر الأسد إلى فريسته؛ فنهضت و قلت: لبّيك يا أمير المؤمنين! قال: غنني بهذا الصوت! فلما رأتني قمت بين يديه و أخذت العود و وقفت بين يديه أغنيه، علمت أنه الخليفة و أني إسحاق؛ فنهضت فقالت؛ هاهنا!و أومأت إلى كلة [١] مضروبة، فدخلتها؛ ثم فرغت من ذلك الصوت و شرب رطلا، و قال لي: ويحك يا إسحاق!انظر من ربّ هذه الدار!فخرجت إلى تلك العجوز فسألتها عن صاحب الدار فقالت: الحسن بن سهل. قلت: و من هذه؟قالت: بوران ابنته فرجعت و أعلمته.
قال؛ ثم انصرفنا، فقال لي: يا إسحاق، اكتم هذا الأمر و لا تتفوّه به. و مضينا إلى دار الخلافة؛ فلما كان الصباح و حضر الحسن بن سهل على عادته، قال له المأمون:
أ لك بنت؟قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال ما اسمها؟قال: بوران. قال: فإني أخطبها إليك قال هي أمتك يا أمير المؤمنين، و أمرها إليك قال فإني قد تزوجتها على نقد ثلاثين ألف دينار: فإذا قبضت المال فاحملها إلينا.
ثم تزوجها، و كانت أحظى نسائه عنده، و آثرهن لديه؛ و كنت أستر هذا الحديث إلى أن مات المأمون.
[قال إسحاق]: فما اجتمع لأحد ما اجتمع لي في تلك الأربعة الأيام، إذ كنت أنصرف من مجلس أمير المؤمنين إلى مجلسها، و و اللََّه ما رأيت من الرجال و ملوكهم
[١] الكلّة: ستر رقيق مثقب يتوقى به من البعوض و غيره.