العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٢ - احتجاج المحلين للنبيذ كله
منهم ممن يصيب ذلك الشراب يقولون: شربنا طلاء، فلا بأس علينا في شربه! و لعمري فيما قرّب مما حرّم اللََّه بأسا، و إن في الأشربة التي أحل اللََّه، و من العسل و السويق، و النبيذ و التمر، لمندوحة عن الأشربة الحرام، غير أن كل ما كان من نبيذ العسل و التمر و الزبيب فلا ينبذ إلا في أسقية الأدم التي لا زفت فيها، و لا يشرب منها ما يسكر!فإنه بلغنا أن رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم نهى عن شرب ما جعل في الجرار و الدّباء و الظروف المزفتة، و قال: «كل مسكر حرام» ؛ فاستغنوا بما أحلّ لكم عما حرّم عليكم؛ و قد أردت بالذي نهيت عنه من شرب الخمر و ما ضارع الخمر من الطلاء، و ما جعل في الدباء و الجرار و الظروف المزفتة، و كل مسكر-اتخاذ الحجة عليكم؛ فمن يطع منكم فهو خير له، و من يخالف إلى ما نهى عنه نعاقبه على العلانية، و يكفينا اللََّه ما أسرّ، فإنه على كل شيء رقيب؛ و من استخفى بذلك عنا فإن اللََّه أشد بأسا و أشد تنكيلا!» .
احتجاج المحلين للنبيذ كله
قال المحلّون لكل ما أسكر كثيره من النبيذ: إنما حرّمت الخمر بعينها، خمر العنب خاصة، بالكتاب، و هي معقولة مفهومة، لا يمتري [١] فيها أحد من المسلمين، و إنما حرمها اللََّه تعبّدا، لا لعلة الإسكار كما ذكرتم، و لا لأنها رجس كما زعمتم؛ و لو كان ذلك كذلك لما أحلها اللََّه للأنبياء المتقدمين، و الأمم السالفين، و لا شربها نوح بعد خروجه من السفينة، و لا عيسى ليلة رفع، و لا شربها أصحاب محمد صلّى اللََّه عليه و سلّم في صدر الإسلام.
و أما قولكم إنها رجس، فقد صدقتم في اللفظ و غلطتم في المعنى؛ إذا كنتم أردتم أنها منتنة؛ فإن الخمر ليست منتنة، و لا قذرة و لا وصفها أحد بنتن و لا قذر و إنما جعلها اللََّه رجسا بالتحريم، كما جعل الزنا فاحشة و مقتا [٢] ، أي معصية و إثما
[١] يمتري: يجمع الميرة: و هي الطعام يجمع للسفر و نحوه.
[٢] المقت: البغض الشديد.