العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٦ - زواج المأمون ببوران
زواج المأمون ببوران
حدث أبو محمد الشعبي الورّاق-و كان عند باب خراسان عند باب الجسر الأول -عن حماد بن إسحاق عن أبيه إسحاق بن إبراهيم بن ميمون الموصلي، قال:
بينا أنا ذات يوم عند المأمون و قد خلا وجهه و طابت نفسه، إذ قال لي: يا إسحاق، هذا يوم خلوة و طيب. فقلت: طيّب اللََّه عيش أمير المؤمنين، و دام سروره و فرحه!فقال: يا غلمان، خذوا علينا الباب و أحضروا الشراب. قال: ثم أخذ بيدي و أدخلني في مجلس غير المجالس التي كنا فيها، و إذا قد نصبت الموائد، و أصلح ما كان يحتاج إليه الحال، حتى كأنه شيء قد كان تقدّم فيه؛ قال: فأكلنا و أخذنا في الشراب، فأقبلت السّتيرات [١] من كل ناحية بضروب من الغناء و صنوف من اللهو؛ فلم نزل على ذلك إلى آخر النهار.
فلما غربت الشمس قال لي: يا إسحاق، خير أيام الفتى أيام الطرب!قلت: هو و اللََّه ذاك يا أمير المؤمنين. قال: فإني فكّرت في شيء فهل لك فيه؟قلت: لا أتأخر عن رأي أمير المؤمنين أطال اللََّه بقاءه!قال: لعلنا نباكر الصبوح في غدوتنا هذه، و قد عزمت على دخلة إلى الحرم، فكن بمكانك و لا ترم [٢] ، فإني أوافيك عن قريب.
قلت: السمع و الطاعة. ثم نهض إلى دار السلام، فما عرف له خبر إلى أن ذهب من الليل عامّته.
قال إسحاق: و كان المأمون من أشغف خلق اللََّه بالنساء، و أشدّهم ميلا إليهن و استهتارا بهنّ، و علمت أن النبيذ قد غلب عليه، و أنهن قد أنسينه أمري و ما كان تقدم إليّ و وعدني من رجوعه، فقلت في نفسي: هو في لذته و أنا هاهنا في غير شيء، و فيّ بقية، و عندي صبية كنت قد اشتريتها؛ و نفسي متطلعة إلى افتضاضها. فقمت مسرعا عند ذكرها، فقال الخدم: على أيّ عزمت و إلى أين تريد؟قلت: أريد الانصراف. قالوا: فإن طلبك أمير المؤمنين؟قلت هو في سروره قد شغله الطرب
[١] الستيرات: المستورات.
[٢] و لا ترم: اي لا تهم بشيء
.