العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٦٣ - من حدّ من الاشراف في الخمر و شهر بها
يبيت يمصّ عتيق الشراب # كمصّ الوليد يخاف الفصالا [١]
و يصبح مضطربا ناعسا # تخال من السّكر فيه احولالا
و يمشي ضعيفا كمشي النزيف # تخال به حين يمشي شكالا [٢]
و ممن شهر بالشراب عبد الرحمن بن عبد اللََّه الثقفي القاضي بالكوفة، و فضح بمنادمة سعد بن هبّار، و فيه يقول حارثة بن بدر:
نهاره في قضايا غير عادلة # و ليله في هوى سعد بن هبّار
ما يسمع الناس أصواتا لهم عرضت # إلا دويّا، دويّ النحل في الغار
يدين أصحابه فيما يدينهم # كأسا بكأس و تكرارا بتكرار
فأصبح الناس اطلاحا أضرّ بهم # حث المطيّ و ما كانوا بسفّار [٣]
و منهم أبو محجن الثقفي، و كان مغرما بالشراب، و قد حده سعد بن أبي وقاص في الخمر مرارا، و شهد القادسية مع سعد، و أبلى فيها بلاء حسنا؛ و هو القائل:
إذا مت فادفنّي إلى ظلّ كرمة # تروّي عظامي بعد موتي عروقها
و لا تدفنني في الفلاة، فإنني # أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
ثم حلف بالقادسية ألا يشرب خمرا أبدا، و أنشأ يقول:
إن كانت الخمر قد عزّت و قد منعت # و حال من دونها الإسلام و الحرج
فقد أباكرها صهباء صافية # طورا، و أشربها صرفا و أمتزج [٤]
و قد تقوم على رأسي مغنّية # فيها إذا رفعت من صوتها غنج
فتخفض الصوت أحيانا و ترفعه # كما يطنّ ذباب الرّوضة الهزج
و منهم عبد الملك بن مروان، و كان يسمى حمامة المسجد، لاجتهاده في العبادة قبل
[١] الفصال: الفطام.
[٢] الشكال: حبل تشد به قوائم الدابة.
[٣] الاطلاح: جمع طلح، و هو المعيي الذي أدركه الكلال.
[٤] الصهباء: الخمر.