العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٩ - و من احتجاج المحلين للنبيذ
تسكروا، و إنما المسكر ما أسكرك، و لا يسمى القليل الذي لا يسكر مسكرا، و لو كان ما يسكر كثيره يسمى قليله مسكرا، ما أباح لنا منه شيئا: و الدليل على ذلك أن النبي صلّى اللََّه عليه و سلّم شرب من سقاية العباس، فوجده شديدا، فقطب بين حاجبيه، ثم دعا بذنوب [١] من ماء زمزم فصب عليه، ثم قال: إذا اغتلمت [٢] أشربتكم فاكسروها بالماء. و لو كان حراما لأراقه، و لما صب عليه ماء ثم شربه.
و قالوا في قول رسول اللََّه صلّى اللََّه عليه و سلّم: «كل مسكر خمر» : هو ما أسكر الفرق [٣] منه فملء الكف حرام؛ فإن هذا كله منسوخ، نسخه شربه للصّلب [٤] يوم حجة الوداع.
قالوا: و من الدليل على ذلك أنه كان ينهى وفد عبد القيس عن شرب المسكر فوفدوا إليه بعد، فرآهم مصفرة ألوانهم، سيئة حالهم؛ فسألهم عن قصتهم، فأعلموه أنه كان لهم شراب فيه قوام أبدانهم فمنعهم من ذلك؛ فأذن لهم في شربه.
... و أن ابن مسعود قال: شهدنا التحريم و شهدتم، و شهدنا التحليل و غبتم. و أنه كان يشرب الصّلب من النبيذ التمر، حتى كثرت الروايات به عنه و شهرت و أذيعت، و أتبعه عامة التابعين من الكوفيين و جعلوه أعظم حججهم، و قال في ذلك شاعرهم:
من ذا يحرّم ماء المزن خالطه # في جوف خابية ماء العناقيد؟ [٥]
إني لأكره تشديد الرواة لنا # فيه، و يعجبني قول ابن مسعود!
و إنما أراد أنهم كانوا يعمدون إلى الرّب الذي ذهب ثلثاه و بقي ثلثه، فيزيدون عليه من الماء قدر ما ذهب منه، ثم يتركونه حتى يغلي و يسكن جأشه، ثم يشربونه.
و كان عمر يشرب على طعامه الصلب، و يقول: يقطع هذا اللحم في بطوننا.
و احتجوا بحديث زيد بن أخزم عن أبي داود عن شعبة عن مسعر بن كدام عن ابن
[١] الذّنوب: الدلو العظيمة.
[٢] اغتلمت: جاوزت حدها الذي لا يسكر الى حدها الذي يسكر.
[٣] الفرق: مكيال ضخم.
[٤] الصلب: الذي اشتد.
[٥] المزن: السحاب يحمل الماء.