العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥١ - خبر الجعدين
و لعلي بن الجهم:
أعظم ذنبي عندكم ودّي # فليت هذا ذنبكم عندي
يا حسرتا أهلك وجدا بمن # لا يعرف الشكوى من الوجد
خبر الجعدين:
حماد الراوية قال: أتيت مكة، فجلست في حلقة منها فيها عمر بن أبي ربيعة القرشي، و إذا هم يتذاكرون العذريين و عشقهم و صبابتهم، فقال عمر بن أبي ربيعة، أحدّثكم عن بعض ذلك.
كان لي خليل من عذرة، [يقال له الجعد بن مهجع، و]يكنى أبا مسهر و كان مشتهرا بأحاديث النساء، يشبّب بهن و ينشد فيهن، على أنه كان لا عاهر الخلوة، و لا حديث السلوة؛ و كان يوافي الموسم في كل سنة، فإذا أبطأ ترجمت له الأخبار، و استوقفت له السّفّارة [١] .
و إنه غاب عني ذات سنة خبره، حتى قدم وفد عذرة، فأتيت القوم أنشد صاحبي، فإذا رجل يتنفس الصعداء؛ فقال: عن أبي مسهر تسأل؟قلت: نعم. قال: هيهات هيهات!أصبح و اللََّه أبو مسهر لا حيّا يرجى، و لا ميتا ينسى، و لكنه كما قال الشاعر:
لعمرك ما هذا الغرام بتاركي # صحيحا و لا أقضي به فأموت
فقلت: و ما الذي به؟قال: مثل الذي بك من انهما ككما في الضلال، و جرّكما أذيال الخسران، كأنكما لم تسمعا بجنة و لا نار!قلت: ما أنت منه يا ابن أخي؟قال:
أخوه. قلت: و اللََّه[ما يمنعك أن تسلك مسلكه الذي سلك إلا]أنك و أخاك كالوشي و البجاد [٢] ، لا يرقعك و لا ترقعه!ثم انطلقت و أنا أقول:
أ رائحة حجّاج عذرة روحة # و لما يرح في القوم جعد بن مهجع
[١] السّفارة: الكناسة.
[٢] البجاد: كساء مخطط.