العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٨ - ألوان من التزهد
العباس مع فقهاء البلد، فحدثني البحتري عن عبادة، و كان ممن حضر المجلس أنه بعث إليه بقدح نبيذ فشربه، ثم بعث إليه بثان فامتنع من شربه!فأخذه الناس بألسنتهم، و قالوا: شربت المسكر على أخونة هؤلاء و صرت لهم حجة!قال: حسبكم!أردتم أن أكون ممن قال اللََّه تعالى: فيهم يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَلنََّاسِ وَ لاََ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اَللََّهِ وَ هُوَ مَعَهُمْ [١] !فكيف أدعه لكم و أشربه بعين اللََّه!
بين قاض و شارب نبيذ
و قال بعض القضاة لرجل كان يعذله: بلغني أنك تشرب المسكر!فقال: ما أشرب المسكر و لكني أشرب النبيذ الصلب.
ألوان من التزهد
فأين هؤلاء في ترك الرياء و التصنع، من رجل سرقت نعله فلم يشتر نعلا حتى مات، و عوتب في ذلك فقال: أخشى أن أشتري نعلا فيسرقها أحد فيأثم! و آخر لما نظر أهل عرفات قال: ما أظن اللََّه إلا قد غفر لهم لو لا أني كنت فيهم! و آخر أمر له عمر بن الخطاب بكيس، فقال: آخذ الكيس و الخيط؟فقال عمر:
دع الكيس! و رجل سأل ابن المبارك فقال إني قاسمت إخوتي، و بيننا مبرز غير مقسوم وفيّ بطر [٢] أ فترى لي أن أدخله أكثر مما يدخله شركائي؟ و آخر قال: أفطرت البارحة على رغيف و زيتونة و نصف، أو زيتونة و ثلث أو زيتونة و ربع، أو ما علم اللََّه من زيتونة أخرى!فقال له بعض من حضر: أجلس يا فتى، إنه بلغنا أن من الورع ما يبغضه اللََّه، و أظنه ورعك هذا!
[١] سورة النساء الآية ١٠٨.
[٢] البطر: النشاط.