العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٧ - زواج المأمون ببوران
و لذة ما هو فيه عن طلبي، و قد كان بيني و بينه موعد قد جاز وقته، و لا وجه لجلوسي.
قال: و كنت مقدّم الأمر في دار المأمون، مقبول القول فيه، لا أعارض في شيء، إذا أومأت إليه؛ فخرجت مبادرا إلى باب الدار، فلقيني غلمان الدار و أصحاب النوبة [١] ، فقالوا: إن غلمانك قد انصرفوا، و كانوا قد جاءوك بدابة، فلما علموا بمبيتك انصرفوا. فقلت: لا ضير، أنا أتمشى إلى البيت وحدي. قالوا: نحضرك دابة من دواب النوبة؟قلت: لا حاجة لي في ذلك. قالوا: فنمضي بين يديك بمشعل؟ قلت: لا، و لا أريد أيضا.
و أقبلت نحو البيت، حتى إذا صرت ببعض الطريق أحسست بحرقة البول، فعدلت إلى بعض الأزقة، لئلا يجوز أحد من العوام فيراني أبول على الطريق؛ فبلت، حتى إذا قمت إلى المسح ببعض الحيطان، إذا بشيء معلق من تلك الدار إلى الزقاق، فما تمالكت أن تمسّحت، ثم دنوت إلى ذلك الشيء لأعرف ما هو، فإذا بزنبيل [٢] كبير معلق بأربعة مقابض، ملبس ديباجا [٣] ، و فيه أربعة أحبل ابريسم، فلما نظرت إليه و تبينته قلت: و اللََّه إن لهذا لسببا، و إن له لأمرا. فأقمت ساعة أتروّى في أمري و أفكر فيه، حتى إذا طال ذلك بي قلت: و اللََّه لأتجاسرنّ و لأجلسنّ فيه كائنا ما كان...
ثم لففت رأسي بردائي و جلست في جوف الزنبيل، فلما أحس من كان على ظهر الحائط بثقله، جذبوا الزنبيل إليهم حتى انتهوا إلى رأس الحائط، فإذا بأربع جوار، فقلن: انزل بالرحب و السعة، أ صديق أم جديد؟فقلت: لا، بل جديد!فقلن: يا جارية، هاتي الشمعة. فابتدرت إحداهن إلى طست فيه شمعة، و أقبلت بين يديّ، حتى نزلت إلى دار نظيفة، فها من الحسن و الظّرف ما حرت له، ثم أدخلتني إلى
[١] النوبة: اسم من المناوبة، او جماعة من الناس.
[٢] الزنبيل: الجراب.
[٣] الديباج: ضرب من الثياب. سداه و لحمته من حرير.