العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٦ - حديث الحارث بن كلدة طبيب العرب مع كسرى أنوشروان الفارسي
أهلك سكران، و لا تنم بالليل عريان، و ارفق بجسمك يكن أرجى لنسلك. قال: فما تقول في شرب الدواء؟قال: اجتنب الدواء ما لزمتك الصحة، فإذا أحسست بحركة الداء فاحسمه بما يردعه؛ فإن البدن بمنزلة الأرض، إن أصلحتها عمرت، و إن فسدتها خربت. قال: فما تقول في الشراب؟قال: أطيبه أهناه، و أرقّه أمراه؛ و لا تشرب صرفا يورثك صداعا، و يثير عليك من الداء أنواعا. قال: فأي اللّحمان أحمد؟قال:
الضأن الفتّي، أسمنه و أبذله، و اجتنب أكل القديد و المالح، و المعز و البقر. قال: فما تقول في الفاكهة. قال: كلها في إقبال دولتها و اتركها إذا أدبرت و ولت و انقضى زمانها؛ و أفضل الفاكهة الرمان و الأترجّ، و أفضل البقول الهندبا و الخس، و أفضل الرياحين الورد و البنفسج. قال: فما تقول في شرب الماء؟قال: هو حياة البدن، و به قوته، و ينفع ما شرب منه بقدر، و شربه بعد النوم ضرر. و أفضل المياه مياه الأنهار العظام، أبرده و أصفاه. قال: فما طعمه؟قال: شيء لا يوصف و[هو]مشتق من الحياة. قال: فما لونه؟قال: اشتبه على الأبصار لونه، يحكي لون كل شيء يكون فيه. قال: فأخبرني عن أصل الإنسان ما هو؟قال: أصله من حيث يشرب الماء.
يعني رأسه. قال: فما هو النور تبصر به الأشياء؟قال: العين مركبة من[ثلاثة] أشياء، فالبياض شحمة، و السواد مائع، [و الناظر ريح]. قال: فعلى كم طبع هذا البدن؟قال: أربع طبائع: على المرة السوداء، و هي باردة يابسة؛ و المرة الصفراء، و هي حارة يابسة؛ و الدم، و هو حار رطب؛ و البلغم، و هو بارد رطب قال: فلم لم يكن من طبع واحد؟قال: لو خلق من شيء واحد لم ينحل و لم يمرض و لم يمت. قال: فمن طبعين ما حال الاقتصار عليهما؟قال: لم يجز، لأنهما ضدان يقتتلان؛ و لذلك لم يجز من ثلاثة: موافقين و مخالف. قال: فأجمل إلي الحارّ و البارد في أحرف جامعة. قال:
كل حلو حار و كل حامض بارد، و كل حرّيف حار، و كل مر معتدل، و في المرّ حار و بارد. قال: فما أفضل ما عولج به المرة السوداء. قال: بكل حار لين. قال: فالمرة الصفراء؟قال: كل بارد ليّن: فالبلغم؟قال: كل حار يابس. قال: فالدم؟قال:
إخراجه إذا زاد، و تطفئته إذا سخن بالأشياء الباردة. قال: فالرياح؟قال: بالحقن اللينة