العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨٥ - حديث الحارث بن كلدة طبيب العرب مع كسرى أنوشروان الفارسي
فانتصب بين يديه، فقال له كسرى: من أنت؟قال: أنا الحارث بن كلدة. قال:
أ عربيّ؟قال: نعم، من صميمها. قال: فما صناعتك؟قال: طبيب. قال: و ما تصنع العرب بالطبيب مع جهلها، و ضعف عقولها، و قلة قبولها، و سوء غذائها، فقال: ذلك أجدر أيها الملك، إذا كانت بهذه الصفة، أن تحتاج إله ما يصلح جهلها، و يقيم عوجها، و يسوس أبدانها، و يعدل أمشاجها [١] ؛ [فإن العاقل يعرف ذلك من نفسه].
قال الملك: و كيف لها بأن نعرف ما تورده عليها، و لو عرفت الحق لم تنسب إلى الجهل. قال: الحارث: أيها الملك، إن اللََّه جل اسمه قسم العقول بين العباد كما قسم الأرزاق، و أخذ القوم نصيبهم؛ ففيهم ما في الناس من جاهل و عالم، و عاجز و حازم.
قال الملك: فما الذي يحمد من أخلاقهم، و يحفظ من مذاهبهم؟قال الحارث: لهم أنفس سخية، و قلوب جريّة، و عقول صحية مرضيّة، و أحساب نقية، يمرق الكلام من أفواههم مروق السهم العائر [٢] ، ألين من الماء، و أعذب من الهواء؛ يطعمون الطعام، و يضربون الهام، و عزّهم لا يرام، و جارهم لا يضام، و لا يروّع إذا نام؛ لا يقرّون بفضل أحد من الأقوام، ما خلا الملك الهمام، الذي لا يقاس به أحد من الأنام!قال:
فاستوى كسرى جالسا. ثم التفت إلى من حوله فقال: أطرى قومه، فلولا أن تداركه عقله لذمّ قومه، غير أني أراه ذا عمى. ثم أذن له بالجلوس. فقال: كيف بصرك بالطب؟قال: ناهيك!قال: فما أصل الطب؟قال: ضبط الشفتين، و الرفق باليدين.
قال: أصبت، فما الداء الدويّ [٣] ؟قال: إدخال الطعام على الطعام، هو الذي أفنى البرية، و قتل السباع في البريّة. قال: أصبت. فما الجمرة التي تلهّب منها الأدواء؟قال:
هي التخمة، إن بقيت في الجوف قتلت، و إن تحللت أسقمت. قال: فما تقول في إخراج الدم؟قال: في نقصان الهلال، في يوم صحو لا غيم فيه، و النفس طيبة، و السرور حاضر. قال: فما تقول في الحمّام؟قال: لا تدخل الحمام شعبان، و لا تغش
[١] الأمشاج: اخلاط البدن من الدم و البلغم.
[٢] السهم العائر: الذي لا يدرى من رماه.
[٣] الداء الدويّ: المرض الشديد.