العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٢ - خبر الجعدين
خليلان نشكو ما نلاقي من الهوى # و مهما يقل أسمع و إن قلت يسمع
ألا ليت شعري أي خطب أصابه # فلي زفرات هجن ما بين أضلع
فلا يبعدنك اللََّه خلا فإنني # سألقى كما لاقيت في الحبّ مصرعي
قال: فلما حججت و وقفت بعرفات، إذا به قد أقبل، و قد تغير لونه و ساءت هيئته، و ما عرفته إلا بناقته؛ فأقبل[فأدنى ناقته من ناقتي]حتى خالف بين أعناقهما، ثم اعتنقني و جعل يبكي، فقلت له: ما الذي دهاك؟قال: برح الخفاء و كشف الغطاء ثم أنشد يقول:
لئن كانت عديلة ذات مطل # لقد علمت بأنّ الحبّ داء [١]
[أ لم تنظر إلى تغيير جسمي # و أنّي لا يفارقني البكاء]
و إنك لو تكلفت الذي بي # لزال السّتر و انكشف الغطاء
و إن معاشري و رجال قومي # حتوفهم الصّبابة و اللقاء
إذا العذريّ مات بحتف أنف # فذاك العبد تحكيه الرّشاء
فقلت: يا أبا مسهر، إنها ساعة عظيمة، تضرب فيها أكباد الإبل من شرق الأرض و غربها، فلو دعوت اللََّه كنت قمنا أن تظفر بحاجتك، و تنصر على عدوّك فجعل يدعو، حتى إذا مالت الشمس للغروب، و هم الناس أن يفيضوا سمعته يهينم بشيء، فأصغيت مسمعا، فجعل يقول:
يا ربّ كلّ غدوة و روحه # من محرم يشكو الصّبا و نوحه [٢]
أنت حسيب الخلق يوم الدوحه
فقلت له و ما يوم الدوحة؟قال: سأخبرك إن شاء اللََّه، و لو لم تسلني. فيممنا نحو المزدلفة، فأقبل عليّ و قال: إني رجل ذو مال كثير، من نعم و شاء، و إني خشيت على مالي عام أوّل التلف، فأتيت أخوالي كلبا، فأوسعوا لي عن صدر المجلس و سقوني
[١] المطل: تأجيل موعد الوفاء مرة بعد اخرى.
[٢] الغدوة: الغداة: ما بين الفجر و طلوع الشمس.