العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٧ - الحسين بن الضحاك و شفيع خادم المتوكل
قد كتمت الهوى بمبلغ جهدي # ففشا منه بعض ما كنت أبدي
و خلعت العذار فليعلم النا # س بأني إليك أصفي بودّي [١]
من عذيري من مقلتيك و من إشـ # راق وجه من حول حمرة خدّ
فصادف رسوله رسولا لمحمد بن عبد الملك الزيات الوزير، فرأى رقعة الحسن، فاحتال لها حتى أخذها، و أوصلها إلى محمد بن عبد الملك، فلما قرأها كتب إلى كاتبه الحسن بن وهب:
ليت شعري عن ليت شعرك هذا # أ بهزل تقوله أم بجدّ؟
فلئن كان ما تقول بجدّ # يا ابن وهب لقد تفتّيت بعدي [٢]
و تشبّهت بي و كنت أرى # أنّي أنا الهائم المتيّم وحدي
لا أرى القصد في الأمور، و لو لا # غمرات الصبا لأبصرت قصدي
سيّدي سيدي، و مولاي من ألـ # بسني ذلّة و أخلف وعدي
لا أحبّ الذي يلوم و إن كا # ن حريصا على صلاحي و رشدي
و أحب الأخ المشارك في الحبّ # و إن لم يكن به مثل وجدي [٣]
كصديقي أبى عليّ و حاشا # لصديقي من مثل شقوة جدّي
إنّ مولاي عبد عبدي و لو لا # شؤم جدّي لكان مولاي عبدي
فلما التقى ابن الزيات الوزير و كاتبه الحسن بن وهب في بيت الديوان، تداعبا في ذلك، و سأله ابن الزيات أن يتجافى له عنه، فقال له الحسن: طاعتك واجبة في المحبوب و المكروه، و لكن الرئيس أدام اللََّه عزه كان أولى بالفضل!فقال له ابن الزيات: هيهات، هذه علة نفسانية تؤدي إلى التلف، فتنحّ عن نصيبك مني!فقال الحسن: إن كان هذا هكذا سمعنا و أطعنا، و أنشد:
شهيدي على ما في فؤادي من الهوى # دموع تباري المستهلّ من القطر
فأسلمني من كان بالأمس مسعدي # و صار الهوى عونا عليّ مع الدّهر
[١] خلع فلان عذاره: انهمك في الغي و لم يستح.
[٢] تفتيت: تصابيت.
[٣] الوجد: الشوق.