العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٥ - زواج المأمون ببوران
ثم نهض و نهضت إلى مجلسنا، و أخذنا في لذتنا، و هو مع ذلك يقول: يا إسحاق، صف لي حالها، و اشرح لي أمرها! فقطعنا يومنا في مذاكرتها إلى أن مضى النهار، فلما أن مضى من الليل هدأة [١]
جعل يقول: ما جاء الوقت!و أنا أقول بقي قليل؛ و القلق غالب عليه، حتى جاء الوقت، فنهضنا و خرجنا من بعض أبواب القصر؛ معنا غلام، و هو على حمار و أنا على حمار. فلما صرنا بالقرب من منزلها نزلنا، ثم سلمنا الحمارين للغلام، و قلنا له:
انصرف، فإذا كان الفجر فكن هاهنا بالحمارين و أقبلنا نمشي متنكرين و أنا أقول:
يجب أن تظهر برّي بحضرتها و إكرامي. و تطرح نخوة [٢] الخلافة و تجبّر الملك، بل كن كأنك تبع لي!و هو يقول: نعم أو يحتاج أن توصيني؟ثم قال: ويحك يا إسحاق!فإن قلت لي غنّ كيف أصنع؟قلت: أنا أكفيك و أدفعها عنك برفق.
فلما صرنا إلى الزقاق إذا بزنبيلين [٣] معلقين بثمان حبال، فقعد كل منا في واحد و جذبتا الجواري، و إذا نحن في السطح؛ و بادرن بين أيدينا حتى انتهينا إلى المجلس، فأقبل المأمون يتأمل الفرش و الدار و الزّي، و يتعجب عجبا شديدا؛ ثم قعدت في موضعي الذي كنت أقعد فيه، و قعد المأمون دوني في المرتبة، ثم أقبلت فسلمت، فما تمالك أن بهت من حسنها، فقالت حيّا اللََّه ضيفنا!فو اللََّه ما أنصفت ابن عمك، أ لا رفعت مجلسه؟فقلت ذلك إليك، جعلت فداءك!فقالت[له]: ارتفع فديتك فأنت جديد، و هذا قد صار من أهل البيت، و لكل جديد لذة! فنهض المأمون حتى صار في صدر المجلس، ثم أقبلت عليه تذاكره و تناشده و تمازحه، و هو يأخذ معها في كل فن، و يفخمها قال ثم التفتت إلي و قالت: وفيت بوعدك و صدقت في قولك و وجب شكرك على صنيعك!قال: ثم أحضر نبيذ و أخذنا في الشراب، و هي مع ذلك مقبلة عليه و هو مقبل عليها، و مسرورة به
[١] الهدأة: الهدأ: الهزيع من الليل و هو من أوله الى ثلثه.
[٢] النخوة: التعظم و الافتخار.
[٣] الزنبيل: الجراب.