العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦٣ - زواج المأمون ببوران
و بادرت المنزل فتوضأت للصلاة و صليت الصبح، و وضعت رأسي فنمت، فما انتبهت إلا و رسل أمير المؤمنين يطلبونني؛ فركبت إلى الدار فما هو إلا أن مثلت بين يديه فقال لي: يا إسحاق، أبيت إلا مكافأة لنا و معاملة بمثل ما عاملناك. قلت: لا و اللََّه يا أمير المؤمنين، ما إلى ذلك ذهبت، و لا إليه قصدت، و لكنني ظننت أن أمير المؤمنين تشاغل عني بلذته و أغفل أمري، و جاء الشيطان فأذكرني أمر الجارية، فبادرت، فقال: و كان من أمرك ما ذا؟قلت: قضيت الحاجة و فرغت[من]الأمر.
فقال: قد انقضى ما كان بقلبك منها و واحدة بواحدة و البادي أظلم. فقلت: أنا يا أمير المؤمنين ألوم و أظلم، و المعذرة إليك فقال: لا تثريب عليك، هل لك في مثل حالنا الأول؟قلت: إي و اللََّه!قال: فانهض بنا. فقمنا حتى صرنا إلى الموضع الذي كنا فيه، فأخذنا في لذتنا؛ حتى إذا كان الوقت قال لي: يا إسحاق ما عزمت؟قلت لا عزم لي يا أمير المؤمنين!قال: عزمت عليك لتجلسنّ حتى أخرج إليك لتصطبح؛ فإني عازم على الصبوح و قد نغّصت عليّ منذ يومين!قلت: إن شاء اللََّه! و قام، فما هو إلا أن توارى، حتى قمت و قعدت، و جالت وساوسي، و جعلت أفكر في مجلسي معها و أفكر فيها، و في الخروج عن طاعة المأمون و ما يخرجني من سخطه و موجدته؛ فسهل[عليّ]كلّ صعب إذ فكرت في أمرها؛ فقمت مبادرا، فاجتمع عليّ جند الدار فقالوا: أين تريد؟فقلت اللََّه اللََّه!إن لي قصة، و أنا معلّق القلب ببعض من في منزلي، و أحتاج إلى مطالعتهم في بعض الأمر. فقالوا: ليس إلى تركك سبيل!فلم أزل أرفق بهذا، و أقبّل رأس هذا، و وهبت لواحد خاتمي، و لآخر ردائي، حتى تركوني؛ فلما خرجت عن جملتهم لم ارتد عنها جاسرا حتى وافيت الزنبيل و صعدت السطح و صرت إلى الموضع؛ فلما رأتني قالت: ضيفنا؟قلت: نعم.
قالت: جعلتها دار مقام!قلت: جعلت فداك، حق الضيافة ثلاثة أيام، فإن عدت بعدها فأنت في حل من دمي!قالت: و اللََّه لقد أتيت بحجة.
ثم جلسنا، و أخذنا في مثل حالنا الأول من الشرب و الإنشاد، و المذاكرة، حتى إذا علمت أن الوقت قد قارب، فكرت في قصتي، و أن المأمون لا يفارقني على هذا