العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦١ - زواج المأمون ببوران
فقلت: و اللََّه لقد جمع اللََّه لك خلال [١] الفضل، و حباك بالكمال الرائع، و العقل الزائد، و الأخلاق المرضية، و الأفعال السنية. فقالت: أ ما تعرف لمن هذا الصوت و من غنّى به؟قلت: لا و اللََّه. قالت: الغناء لإسحاق، و الشعر لفلان، و كان سببه كذا و كذا... فقلت: هذا و اللََّه أحسن من الغناء.
فلم تزل تلك حالها في كل صوت تغنيه، و مع ذلك تشرب و أشرب؛ حتى إذا كان عند انشقاق الفجر، جاءت عجوز كأنها داية [٢] لها، فقالت: أي بنية، إن الوقت قد حضر، فإذا شئت فانهضي. فلما سمعت مقالها نهضت؛ فقالت: عزمت؟قلت: إي و اللََّه. فقالت: مصاحبا للسلامة، [عزمت]عليك لتسترنّ ما كنا فيه، فإن المجالس بالأمانة. فقلت جعلت فداك، أ فأحتاج إلى وصية في ذلك؟ فودعتها و ودعتني، و قالت: يا جارية، بين يديه. فأتي بي باب في ناحية الدار ففتح لي و أخرجت منه إلى طريق مختصرة، و بادرت البيت، فصليت و وضعت رأسي، فما انتبهت إلا و رسل الخليفة على الباب؛ فقمت فركبت فسرت إليه، فلما مثلت بين يديه قال لي: يا إسحاق، جفوناك بما كنا ضمنّاه لك، و تشاغلنا عنك. فقلت: يا سيدي، ليس شيء آثر عندي و أسرّ إلى قلبي من سرور يدخل على أمير المؤمنين فإذا كمل سروره و طاب عيشه فعيشنا يطيب و سرورنا يتصل بسروره. ثم قال: ما كانت حالتك؟قلت: يا سيدي كنت اشتريت من السوق صبية، و كنت متعلق القلب بها، فلما تشاغل أمير المؤمنين عني، و قد كانت فيّ بقية طالبتني نفسي بها، فمضيت مسرعا و أحضرتها، و أحضرت نبيذا فسقيتها و شربت معها، و غلب عليّ السكر فقطعت عما أردت، و ذهب بي النوم إلى أن أصبحت. فقال لي: ما أكثر ما يتهيأ على الناس من هذا. فهل لك في مثل ما كنا فيه أمس؟فقلت: يا أمير المؤمنين و هل أحد يمتنع من ذلك؟قال: فإذا شئت[فانهض بنا]فنهض و نهضت، فصرنا إلى المجلس الذي كنا
[١] الخلال: السمات و الصفات.
[٢] الدّاية: المرضع الاجنبية او الحاضنة او القابلة.