العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٨ - الفرزدق و ابن الحصين
منهن إلا إذا وضعت مائدته؛ ثم يقبل خبازه فيمثل بين يديه، فيقول: ما عندك اليوم؟فيقول: عندي كذا، عندي كذا... فيعدد كل ما عنده، و يصفه؛ يريد بذلك أن يحبس كلّ رجل نفسه و شهوته على ما يريد من الطعام، و تقبل الألطاف من هاهنا و هاهنا، و توضع على المائدة؛ ثم يؤتى بثريدة شهباء من الفلفل، رقطاء من الحمص، ذات حفافين من العراق [١] ؛ فنأكل معه، حتى إذا ظن أن القوم قد كادوا يمتلئون، جثا على ركبتيه ثم استأنف الأكل معهم. فقال[ابن]أبي بردة: للََّه درّ عبد الأعلى، ما أربط جأشه على وقع الأضراس.
و حضر أعرابيّ طعام عبد الأعلى، فلما وقف الخباز بين يديه و وصف ما عنده قال:
أصلحك اللّه، أ تأمر غلامك يسقيني ماء، فقد شبعت من وصف هذا الخباز! و قال له عبد الأعلى يوما: ما تقول يا أعرابي، لو أمرت الطباخ فعمل لون كذا، و لون كذا؟قال: أصلحك اللّه، لو كانت هذه الصفة في القرآن لكانت موضع سجود.
الفرزدق و ابن الحصين
أبو عبيدة قال: مر الفرزدق بيحيى[بن الحصين]بن المنذر الرقاشي فقال له: هل لك أبا فراس في جدي رضيع، و نبيذ من شراب الزبيب؟قال: و هل يأبى هذا إلا ابن المراغة [٢] .
و قال الأحوص لجرير لما قدم المدينة. ما ذا ترى أن نعدّ لك؟قال: شواء و طلاء [٣] و غناء. قال: قد أعدّ لك.
و قال مساور الورّاق في وصف الطعام:
اسمع بنعتي للملوك و لا تكن # فيما سمعت كميّت الأحياء
إنّ الملوك لهم طعام طيب # يستأثرون به على الفقراء
[١] العراق: جمع العرق، و هي القدرة من اللحم.
[٢] المراغة: الأتان.
[٣] الطلاء: ما يطبخ من عصير العنب حتى ذهب ثلثاه.