العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٠ - حديث المجرّد
قالت: قولي لأبي الحسن و أبي الحسين: هلمّا الساعة!فقلت في نفسي: أبو الحسن و أبو الحسين، هو عليّ بن أبي طالب! قال: فإذا شيخان خاضبان نبيلان قد أقبلا، فصعدا، فقصت المرأة عليهما القصة، فخطب أحدهما و أجاب الآخر، و أقررت بالتزويج و أقرّت المرأة؛ فدعوا بالبركة ثم نهضا، فاستحييت أن أحمّل المرأة شيئا من المئونة، فأخرجت دينارا آخر فدفعته إليها، و قلت: اجعلي هذا لطيبك. قالت: يا أخي، لست ممن يمسّ طيبا لرجل، إنما أتطيّب لنفسي إذا خلوت. قلت: فاجعلي هذا لغدائنا اليوم. قالت: أما هذا فنعم.
فنهضت الجارية، و أمرت بإصلاح ما يحتاج إليه، ثم عادت، و تغدّينا، و جاءت بأداة و قضيب، و قعدت تجاهي؛ و دعت بنبيذ فأعدّته، و اندفعت تغني بصوت لم أسمع مثله قط، فإني ألفت القينات نحوا من ثلاثين سنة، ما سمعت مثل ترنّمها قط؛ فكدت أجنّ سرورا و طربا، فجعلت أريغ [١] أن تدنو مني فتأبى، إلى أن غنّت بشعر لم أعرفه، و هو:
راحوا يصيدون الظّباء، و إنني # لأرى تصيّدها عليّ حراما!
أعزز عليّ بأن أروّع شبهها # أو أن تذوق على يديّ حماما!
فقلت: جعلت فداك!من يغنّي هذا؟قالت: اشترك فيه جماعة، هو لمعبد، و تغنى به ابن سريج و ابن عائشة...
فلما نعي إلينا النهار و جاءت المغرب، تغنّت بصوت لم أفهمه، للشقاء الذي كتب عليّ، فقالت:
كأني بالمجرّد قد علته # نعال القوم أو خشب السواري [٢]
قلت: جعلت فداك!ما أفهم هذا البيت و لا أحسبه مما يتغنى به. قالت: أنا أوّل من تغنى به. قلت: فإنما و هو بيت عابر لا صاحب له؟قالت: معه آخر ليس هذا وقته، هو آخر ما أتغنى به؟
[١] أريغ: احاول.
[٢] المجرد: يريد الذي جرّد من ثيابه.