العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٦ - احتجاج المحلين للنبيذ كله
و سقى قوم أعرابيا كئوسا، ثم قالوا: كيف تجدك؟قال: أجدني أسرّ، و أجدكم تحبّبون إليّ.
و قالوا: ما حرّم اللََّه شيئا إلا عوّضنا ما هو خير منه أو مثله، و قد جعل اللََّه النبيذ عوضا من الخمر، نأخذ منه ما يطيب النفس، و يصفي اللون، و يهضم الطعام، و لا نبلغ منه إلى ما يذهب العقل، و يصدع الرأس، و يغثي النفس، و يشرك الخمر في آفاتها و عظيم خبائثها.
قالوا: و أما قولكم إن الخمر كلّ ما خمر، و النبيذ كله يخمّر فهو خمر، فإن الأسماء قد تتشاكل في بعض المعاني، فتسمى ببعضها لعلة فيها و هي في آخر، و لا يطلق ذلك الاسم على الآخر؛ أ لا ترى أن اللبن قد يخمرونه بروبة تلقى فيه، و لا يسمى خمرا؟و أن العجين قد يخمر فيسمى خميرا و لا يسمى خمرا؟و أن نقيع التمر يسمى سكرا لإسكاره، و لا يسمى غيره من النبيذ سكرا و إن كان مسكرا؟و هذا أكثر في كلام العرب من أن يحاط به؛ و قد رأيت اللبن يسكر إسكار كسكر النبيذ، و يقال: قوم ملبونون و قوم روبى، إذا شربوا الرائب فسكروا منه؛ و قال بشر بن أبي حازم:
فأما تميم تميم بن مرّ # فألفاهم القوم روبى نياما
و أما قولكم: الرجل مخمور، و به خمار، إذا أصابه صداع من الخمر؛ و قد يقال مثل ذلك لمن أصابه صداع من النبيذ، فيقال: به خمار، و لا يقال به نباذ؛ فإن حجتنا في ذلك أن الخمار إنما يكون مما أسكر من النبيذ، و ذلك حرام، لا فرق بينه و بين الخمر عندنا، فيقال فيه: ما يقال في الخمر، و إنما كان شربة [١] النبيذ من أسلافنا يشربون منه اليسير على الغداء و العشاء، و مما لا يعرض منه خمار.
و قد فرقت الشعراء بين النبيذ و الخمر، فقال الأقيشر، و كان مغرما بالشراب:
و صهباء جرجانية لم يطف بها # حنيف، و لم تنغر بها ساعة قدر [٢]
[١] شربة: جمع شارب.
[٢] نغرت القدر: غلت.