العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٣ - خبر دعبل و صريع الغواني
أحمل رحله و أنساعه [١] . فتقسّمن متاعه و زاده؛ و بقيت عنيزة لم تحمل له شيئا؛ فقال لها: يا بنت الكرام، لا بد أن تحمليني معك؛ فإني لا أطيق المشي، فحملته على غارب [٢] بعيرها، فكان يجنح إليها فيدخل رأسه في خدرها فيقبّلها، فإذا امتنعت مال حدجها [٣] ، فتقول: عقرت بعيري فانزل!ففي ذلك يقول:
[ألا ربّ يوم لي من البيض صالح # و لا سيّما يوم بدارة جلجل]
و يوم عقرت للعذارى مطيتي # فيا عجبنا من رحلها المتحمّل
فظلّ العذارى يرتمين بلحمها # و شحم كهدّاب الدّمقس المفتّل.
تقول و قد مال الغبيط بنا معا # عقرت بعيري يا امرأ القيس فانزل [٤]
فقلت لها سيري و أرخي زمامه # و لا تبعديني من جناك المعلّل
و كان الفرزدق أروى الناس لأخبار امرئ القيس و أشعاره، و ذلك أنّ امرأ القيس رأى من أبيه جفوة، فلحق بعمه شرحبيل بن الحارث، و كان مسترضعا في بني دارم فأقام فيهم، و هم رهط الفرزدق.
خبر دعبل و صريع الغواني
حدثنا أبو سويد بن أبي عتاهية عن دعبل بن علي الشاعر قال: بينا أنا ذات يوم بباب الكرخ و أنا سائر، و قد احتوى الفكر على قلبي في أبيات شعر قد نطق بها اللسان من غير اعتقاد جنان، فقلت:
دموع عيني لها انبساط # و نوم عيني به انقباض
فإذا أنا بجارية فائقة الجمال حوراء الطرف، يقصر عن نعتها الوصف؛ لها وجه زاهر، و نور باهر، فهي كما قال الشاعر:
كأنما أفرغت في قشر لؤلؤة # في كل جارحة منها لها قمر
[١] الأنساع: جمع نسع، و هو سير ينسج عريضا تشد به الرحال.
[٢] غارب البعير: ما بين السنام و العنق.
[٣] الحدج: الهودج.
[٤] الغبيط: ما يوضع على ظهر البعير لتركب المرأة فيه.