العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩ - الفرزدق و ابن الحصين
إني نعتّ لذيذ عيشي كلّه # و العيش ليس لذيذه بسواء
ثم اختصصت من اللذيذ و عيشه # صفة الطعام لشهوة الحلواء
فبدأت بالعسل الشديد بياضه # شهد تباكره بماء سماء
إني سمعت لقول ربك فيهما # فجمعت بين مبارك و شفاء
أيام أنت هناك بين عصابة # حضروا ليوم تنعّم أكفاء
لا ينطقون إذا جلست إليهم # فيما يكون بلفظة عوراء [١]
متنسمين رياح كلّ هبوبة # بين النخيل بغرفة فيحاء [٢]
فقعدت ثم دعوت لي بمبذرق # متشمّر يسعى بغير رداء [٣]
قد لفّ كمّيه على عضلاته # قلص القميص مشمّر سعّاء
فأتى بخبز كالملاء منقّط # فبناه فوق أخاون الشّيزاء [٤]
حتى ملاها ثم ترجم عندها # بالفارسيّة داعيا بوحاء [٥]
فإذا القصاع من الخلنج لديهم # تبدو جوانبها مع الوصفاء
ارفع وضع و هنا و هاك و هاهنا # قصف الملوك و نهمة القرّاء
يؤتون ثمّ بلون كلّ طريفة # قد خالفته موائد الخلفاء
من كلّ فرنيّ و جدي راضع # و دجاجة مربوبة عشواء
و مصوص درّاج كثير طيّب # و نواهض يؤتّى بهنّ شواء [٦]
و ثريدة ملمومة قد سقّفت # من فوقها بأطايب الأعضاء
و تزيّنت بتوابل معلومة # و خبيصات كالجمان نقاء
هذا الثّريد و ما سواه تعلّل # ذهب الثريد بنهمتي و هوائي
و لقد كلفت بنعت جدي راضع # قد صنته شهرين بين رعاء
[١] العوراء: القبيحة.
[٢] الفيحاء: الواسعة.
[٣] المبذرق: الخفير.
[٤] الشيزى: خشب تعمل منه القصاع.
[٥] الوحاء: السرعة.
[٦] المصوص: لحم ينقع في الخل و يطبخ. و الدراج: ضرب من الطير. و النواهض: جمع ناهض: و هو فرخ الطير الذي استقل للنهوض.