العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٧ - أدعياء النسك
أتاني بها يحيي و قد نمت نومة # و قد غارت الشّعرى و قد خفق النّسر [١]
فقلت اصطبحها أو لغيري فأهدها # فما أنا بعد الشّيب ويلك و الخمر!
إذا المرء وافى الأربعين و لم يكن # له دون ما يأتي حياء و لا ستر
فدعه و لا تنكر عليه الذي أتى # و إن جرّ أرسان الحياة له الدهر
فأعلمك أن الخمر هي التي لم تغل بها القدور.
أدعياء النسك:
و أما قول بعض الشعراء في شاربي النبيذ و ما عابوهم به من قلة الوفاء و نقض العهد، فقد قالوا أقبح من ذلك في تارك النبيذ، قال حيص بيص:
ألا لا يغرنك ذو سجدة # يظلّ بها دائما يخدع
[كأن بجبهته حيلة # يسبّح طورا و يسترجع]
و ما للتّقى لزمت وجهه # و لكن ليأتي مستودع
ثلاثون ألفا حواها السّجود # فليست إلى ربّها ترجع
و ردّ أخو الكأس ما عنده # و ما كنت في ردّه أطمع
و قال آخر:
أمّا النّبيذ فلا يذعرك شاربه # و احفظ ثيابك ممن يشرب الماء
قوم يورّون عما في نفوسهم # حتى إذا استمكنوا كانوا هم الدّاء
مشمّرين إلى أنصاف سوقهم # هم الذّئاب و قد يدعون قرّاء
و قال أعرابيّ:
صلّى فأزعجني و صام فراعني # نحّ القلوص عن المصلّي الصائم!
و قال:
شمّر ثيابك و استعدّ لقائل # و احكك جبينك للقضاء بثوم
[١] الشّعرى: كوكب نيّر يطلع عند شدة الحر.