العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٥ - الأمين و وعد جارية
و عاشق صبّ بمعشوقه # كأنما قلباهما قلب
روحاهما روح و نفساهما # نفس، كذا فليكن الحبّ
الأمين و وعد جارية
حدث أبو جعفر قال: بينا محمد بن زبيدة الأمين يطوف في قصر له، إذ مر بجارية له سكرى، و عليها كساء خزّ تسحب أذياله، فراودها عن نفسها، فقالت: يا أمير المؤمنين، أنا على ما ترى، و لكن إذا كان في غد إن شاء اللََّه! فلما كان من الغد مضى إليها فقال لها: الوعد!فقالت يا أمير المؤمنين، أ ما علمت أن كلام الليل يمحوه النهار؟فضحك و خرج إلى مجلسه فقال: من بالباب من شعراء الكوفة؟فقيل له: مصعب، و الرقاشي، و أبو نواس. فأمر بهم فأدخلوا عليه. فلما جلسوا بين يديه قال: ليقل كل واحد منكم شعرا يكون آخره.
كلام الليل يمحوه النهار
فأنشأ الرقاشي يقول:
متى تصحو و قلبك مستطار # و قد منع القرار فلا قرار
و قد تركتك صبّا مستهاما # فتاة لا تزور و لا تزار [١]
إذا استنجزت منها الوعد قالت # كلام الليل يمحوه النهار
و قال مصعب:
أ تعذلني و قلبك مستطار # كئيب لا يقرّ له قرار
بحبّ مليحة صادت فؤادي # بألحاظ يخالطها احورار [٢]
و لما أن مددت يدي إليها # لألمسها بدا منها نفار
فقلت لها عديني منك وعدا # فقالت: في غد منك المزار
فلما جئت مقتضيا أجابت: # كلام الليل يمحوه النهار
[١] الصبّ: المشتاق.
[٢] الاحورار: شدة سواد سواد العين و شدة بياض بياضها.