العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١١٧ - حديث الحسن بن هانئ مع الأسود
قال أوس بن حجر حيث يقول:
دان مسفّ فويق الأرض هيدبه # يكاد يدفعه من قام بالراح [١]
همت برذاذ، ثم بطش، ثم برش، ثم بوابل، ثم أقلعت و قد غادرت الغدران مترعة تتدفق، و القيعان تتألق، رياض مونقة، و نوافح من ريحها عبقة فسرّحت طرفي راتعا منها في أحسن منظر، و نشقت من رباها أطيب من المسك الأذفر.
قال: فلما انتهينا إلى أوائلها، إذا نحن نجباء على بابه جارية مشرقة، ترنو بطرف مريض الجفون، و سنان النظر، أشعرت حماليقه [٢] فترة و ملئت سحرا، فقلت لزميلي:
استنطقها. قال: و كيف السبيل إلى ذلك؟قلت: استسقها. فاستسقاها، فقالت: نعم و نعمى عين، و إن نزلتم ففي الرحب و السعة! ثم مضت تتهادى كأنها خوط بان [٣] ، أو قضيب خيزران، فراعني ما رأيت منها؛ ثم أتت بالماء فشربت منه، و صببت باقيه على يدي.
ثم قلت: و صاحبي أيضا عطشان!فأخذت الإناء فذهبت، فقلت لصاحبي: من الذي يقول:
إذا بارك اللََّه في ملبس # فلا بارك اللََّه في البرقع [٤]
يريك عيون الدّمى غرّة # و يكشف عن منظر أشنع
قال: و سمعت كلامي، فأتت و قد نزعت البرقع و لبست خمارا أسود، و هي تقول:
ألا حيّ ربعي معشر قد أراهما # أقاما، فما أن يعرفا مبتغاهما
هما استسقيا ماء على غير ظماءة # ليستمتعا باللّحظ ممن سقاهما
فشبّهت كلامها بعقد درّ و هى فانتثر، فنغمة عذبة رقيقة رخيمة، لو خوطب بها صمّ الصلاب لانبجست، مع وجه يظلم من نوره ضياء العقول، و تتلف من روعته مهج النفوس، و تخف في محاسنه رزانة الحليم، و يحار في بهائه طرف البصير؛ فرقت
[١] الهيدب: السحاب المتدلي الذي يدنو من الارض و يرى كأنه خيوط عند انصبابه.
[٢] الحماليق، جمع حملاق، و هو ما يسوده الكحل من باطن الاجفان.
[٣] الخوط: الغصن الناعم.
[٤] البرقع: قناع النساء.