العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٢٣ - الفضل و الأمين
فلبثت قليلا ثم جاءني و معه قارورة فيها دهن و معه قلائد، فقال: هذا دهن طيب أتحفنا به، و هذه قلائد للجؤذر؛ و لا و اللََّه ما أقلدهن بعيرا أبدا!و شدّ بهن ذوائب سيفه، و انصرفنا؛ فكنا نختلف إليها حتى انقضى الربيع و دعا الناس المصيف؛ فأتاني فقال: هيا عصمة، رحلت و لم يبق إلا الآثار و الرسوم من الديار!و أنشدني:
ألا يا اسلمي يا دار ميّ على البلى # و لا زال منهلاّ بجرعائك القطر
المأمون و يحيى بن أكثم
خرج المأمون في يوم عيد و قد ركب الجند أمامه، و معه يحيى بن أكثم يضاحكه و يحادثه، و إذ نظر إلى غلام من الجند في غاية الفراهة [١] ، عليه ثوب حرير أخضر، و ثوب موشى مزرّر بالذهب، فالتفت إلى يحيى بن أكثم فقال له: يا يحيى، ما تقول في هذه البضاعة؟فقال: يا أمير المؤمنين، إن هذا لقبيح من إمام مثلك مع فقيه مثلي! قال: فمن الذي يقول:
قاض يرى الحدّ في الزّناء و لا # يرى على من يلوط من باس [٢]
فقال: دعبل الذي يقول:
و لا أرى الجور ينقضي و على العامّة وال لآل عباس قال: ينفى إلى السند، و إنما داعبناك. ثم أنشأ المأمون يقول:
أيها الراكب ثوبا # ه حرير و حديد
جئت للعبد و في وجـ # هك للأعين عيد
أنت جندي و لكن # فيك للحسن جنود
الفضل و الأمين
الفضل بن الربيع قال: قعد المخلوع للناس يوما و عليه طيلسان [٣] أزرق، و تحته
[١] الفراهة: الحذق و النشاط.
[٢] يلوط: يعمل عمل قوم لوط.
[٣] الطيلسان: العجمي