العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٦ - الحمية و قولهم فيها
عيب الحمية:
و الأكلة كلهم يعيبون الحمية، و يقولون، الحمية إحدى العلتين.
و قالوا: من احتمى فهو على يقين من المكروه و هو في شك من العافية! و قالوا: الحمية للصحيح ضارّة و للعليل نافعة.
الحمية و قولهم فيها
قيل لبقراط: مالك تقل الأكل جدا؟ قال: إني إنما آكل لأحيا، و غيري يحيا ليأكل! و أجمعت الأطباء على أن رأس الداء كلّه إدخال الطعام على الطعام.
و قالوا: احذروا إدخال اللحم على اللحم؛ فإنه ربما قتل السباع في القفر.
و أكثر العلل كلها إنما يتولد من فضول الطعام.
و الحمية مأخوذة عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: رأى صهيبا يأكل تمرا و به رمد، فقال «أ تأكل تمرا و أنت أرمد؟» .
و دخل على عليّ رضي اللّه عنه و هو عليل، و بيده عنقود عنب، فنزعه من يده.
و قال عليه الصلاة و السلام: «لا تكرهوا مرضاكم على الطعام و الشراب، فإن اللّه يطعمهم و يسقيهم» .
و قيل للحارث بن كلدة طبيب العرب: ما أفضل الدواء؟ قال: الأزم [١] .
يريد قلة الأكل، و منه قيل للحمية: الأزمة، و للكثير أزمات.
و قيل لآخر: ما أفضل الدواء؟ قال: أن ترفع يدك عن الطعام و أنت تشتهيه.
أبو الأشهب عن أبي الحسن قال: قيل لسمرة بن جندب: إن ابنك إذا أكل طعاما كظّه [٢] حتى كاد أن يقتله.
قال: لو مات ما صليت عليه!
[١] الأزم: الحمية.
[٢] كظه الطعام: اصبح لا يكاد يطيق التنفس.