العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧١ - رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار في الأنبذة
... و كما أمر بالاستنجاء بثلاثة أحجار للتنقية من الأذى، فأجازوا كل ما أنقى من الخزف و الخرق و غير ذلك، و حملوه محمل الأحجار الثلاثة، و لما حرمت الخمر بعلّة هي قائمة في النبيذ المسكر، حمل النبيذ محمل الخمر في التحريم.
قالوا: و وجدناهم يقولون لمن غلب عليه غنث [١] النفس و صداع الرأس من الخمر: مخمور، و به خمار، و يقال مثل ذلك في شارب النبيذ، و لا يقولون: منبوذ و لا به نباذ. و الخمار مأخوذ من الخمر، كما يقال الكباد في وجع الكبد، و الصدار في وجع الصدر.
... و ذهبوا في تحريم النبيذ إلى حديث أبي هريرة عن النبي صلّى اللّه عليه و سلّم: أنه نهى أن ينبذ في الدباء و المزفّت [٢] .
... و قالوا: لمن أجاز قليل ما أسكر كثيره: إنه ليس بين شارب المسكر و موافقة السكر حد ينتهى إليه و لا يوقف عنده، و لا يعلم شارب المسكر متى يسكر، كما لا يعلم الناس متى يرقد؛ و قد يشرب الرجل من الشراب المسكر قدحين و ثلاثة أقداح و لا يسكر، و يشرب منه غيره قدحا واحدا فيسكر؛ لأنه قد يختلف طبع الرجل في نفسه، فيسكر مرة من القدحين، و يشرب مرة أخرى ثلاثة أقداح فلا يسكر.
رسالة عمر بن عبد العزيز إلى أهل الأمصار في الأنبذة
«أما بعد فإن الناس كان منهم في هذا الشراب المحرّم أمر ساءت فيه رعة [٣]
كثير منهم، [و جمعوا مما يغشون به مما حرم اللََّه حراما كثيرا نهوا عنه]عند سفه أحلامهم، و ذهاب عقولهم، فاستحلّ به الدم الحرام، و الفرج الحرام؛ و أن رجالا
[١] غنثت نفسه: مالت الى القيء.
[٢] الدباء: القرع.
[٣] رعة: الحرج و التوقي عن المحارم.