العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٧٣ - احتجاج المحلين للنبيذ كله
بالتحريم؛ و إنما هو جماع كجماع النكاح، و هو عن تراض و بذل، كما أن النكاح عن تراض و بذل؛ و قد يبذل في السفاح ما لا يبذل في النكاح؛ و لذلك سمّى اللََّه تبارك و تعالى المحرّمات كلها خبائث فقال تعالى: وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ اَلْخَبََائِثَ [١] ؛ و سمى المحلّلات كلها طيبات، فقال: يَسْئَلُونَكَ مََا ذََا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ اَلطَّيِّبََاتُ [٢] ؛ و سمى كل ما جاوز أمره أو قصر عنه سرفا، و إن اقتصد فيه.
و قد ذكر الخمر فيما امتنّ به على عباده قبل تحريمها. فقال تعالى: وَ مِنْ ثَمَرََاتِ اَلنَّخِيلِ وَ اَلْأَعْنََابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَ رِزْقاً حَسَناً [٣] . و لو أنها رجس على ما تأولتم ما جعلها اللََّه في جنته و سماها لذة للشاربين. و إن قلتم إن خمر الجنة ليست كخمر الدنيا، لأن اللََّه نفى عنها عيوب خمر الدنيا فقال تعالى: لاََ يُصَدَّعُونَ عَنْهََا وَ لاََ يُنْزِفُونَ [٤] ، فكذلك قوله في فاكهة الجنة: لاََ مَقْطُوعَةٍ وَ لاََ مَمْنُوعَةٍ [٥] .
فنفى عنها عيوب فواكه الدنيا، لأنها تأتي في وقت و تنقطع في وقت، و لأنها ممنوعة إلا بالثمن، و لها آفات كثيرة، و ليس في فواكه الجنة آفة.
و ما سمعنا أحدا وصف الخمر إلا بضد ما ذكرتم، من طيب النسيم، و ذكاء الرائحة. و قال الأخطل:
كأنها المسك نهبى بين أرحلنا # و قد تضوّع من ناجودها الجاري [٦]
و قال آخر:
فتنفّست في البيت إذ مزجت # كتنفّس الرّيحان في الأنف
و قال أبو نواس:
نحن نخفيها فيأبى # طيب ريح فتفوح
[١] سورة الأعراف الآية ١٥٧.
[٢] سورة المائدة الآية ٤.
[٣] سورة النحل الآية ٦٧.
[٤] سورة الواقعة الآية ١٩.
[٥] سورة الواقعة الآية ٣٣.
[٦] النهبى: اسم ما ينهب، و الناجود، اول ما يخرج من الخمر اذا شق دنها