العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٥٦ - حارثة بن بدر في حرب الازارقة
عليه الشراب على كريم منصبه، حتى كاد يبطله، و كان قد ضاف [١] على راع يسمى سالما، فسقاه قدحا من لبن، فكرهه و قال:
سيغني أبا الهنديّ عن وطب سالم # أبارق كالغزلان بيض نحورها
مفدّمة قزّا كأن رقابها # رقاب كراك أفزعتها صقورها [٢]
فما ذرّ قرن الشمس حتى كأنما # أرى قرية حولي تزلزل دورها
و كان عجيبا بالجواب، فجلس إليه رجل كان صلب أبوه في جناية، فجعل يعرّض له بالشراب، فقال ابو الهندي: احدهم يبصر القذى في عين أخيه و لا يبصر الجذع المعترض في است ابيه.
و لقيه نصر بن سيار والي خراسان و هو يميد سكرا، فقال له: أفسدت مروءتك و شرفك!قال لو لم أفسد مروءتي لم تكن أنت والي خراسان!.
و مرض ابو الهندي، فلما وجد فقد الشراب جعل يبكي و يقول:
رضيع المدام فارق الراح روحه # فظلّ عليها مستهلّ المدامع
أديرا عليّ الكأس إني فقدتها # كما فقد المفطوم درّ المراضع
و كان يشرب مع قيس بن أبي الوليد الكناني، و كان أبو الوليد ناسكا؛ فاستعدى عليه و على ابنه، فهرب منه، و قال فيه ابو الهندي:
قل للسّريّ ابن هند ظلت تواعدنا # و دارنا أصبحت من داركم صددا
أبا الوليد أما و اللََّه لو عملت # فيك الشّمول لما فارقتها أبدا [٣]
و لا نسيت حميّاها و لذّتها # و لا عدلت بها مالا و لا ولدا [٤]
و شرب أبو الهندي في غرفة مع نديم له، فاطّلع منها فإذا بميّت يزفّ به على
[١] اي نزل عليه ضيفا.
[٢] الكراكي: جمع كركي: ضرب من الطير.
[٣] الشمول: ريح الشمال و الخمر.
[٤] الحميا: سورة الكأس و اخذها بالرأس.