العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٨ - الأصمعي و الرشيد
المتوكل و علي بن الجهم
قال عليّ بن الجهم: دخلت يوما على المتوكل، فقال: يا علي!قلت: لبيك أمير المؤمنين. قال: دخلت الساعة إلى قبيحة، و قد كتبت على خدّها بالمسك اسمي، فو اللََّه ما رأيت سوادا في بياض أحسن منه في ذلك الخدّ؛ فقل فيه شعرا. فقلت: يا أمير المؤمنين، أ مظلومة معي؟قال: نعم. و مظلومة خلف الستارة، فدعت بدواة و بدرت بالقول، فقالت:
و كاتبة بالمسك في الخدّ «جعفرا» # بنفسي مخطّ المسك من حيث أثرا
لئن أودعت سطرا من المسك خدّها # لقد أودعت قلبي من الحبّ أسطرا
فيا من لمملوك تملّك مالكا # مطيعا له فيما أسرّ و أظهرا
و يا من مناها في السرائر جعفر # سقى اللََّه من صوب الغمامة جعفرا [١]
قال: و أفحمت فلم أنطق، و تغلبت على خواطري فما قدرت على حرف أقوله، فضحك أمير المؤمنين.
الأصمعي و الرشيد
الأصمعي قال: دخلت على هارون أمير المؤمنين، و بين يديه جارية حسناء عليها لمّة [٢] جعدة، و ذؤابة تضرب الحقو منها، و هلال بين عينيها مكتوب عليه بالذهب:
هذا ما عمل في طراز اللََّه!فقال: يا أصمعي، صفها، فأنشأت أقول:
كنانيّة الأطراف سعديّة الحشا # هلاليّة العينين طائيّة الفم
لها حكم لقمان، و صورة يوسف # و نغمة داود، و عفّة مريم
فقال: أحسنت و اللََّه يا أصمعي؛ فعل عرفت اسمها؟قلت: لا يا أمير المؤمنين فقال اسمها دنيا. فأطرقت ساعة ثم قالت.
إنّ دنيا هي التي # تملك القلب قاهرة
[١] الصوب: المطر بقدر ما ينفع و لا يؤذي.
[٢] اللّمة: شعر الرأس المجاور شحمة الاذن.