العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٢٣ - تقدير الطعام و ما يقدم منه و ما يؤخر
تقدير الطعام و ما يقدم منه و ما يؤخر
و يجب في الطعام أن يقدر فيه أربعة أنحاء:
أولها: ملاءمة الطعام لبدن المغتذي به في الوقت الذي يغتذي به فيه، كما ذكرنا أيضا أنه متى كان الغالب على البدن الحرارة احتاج إلى الأغذية الباردة، و متى كان الغالب عليه البرد احتاج إلى الأغذية الحارة، و متى كان معتدلا احتاج إلى الأغذية المعتدلة المشاكلة له.
و النحو الثاني: تقدير الطعام، بأن يكون على مقدار قوة الهضم، لأنه و إن كان في نفسه محمودا، و كان ملائما للبدن، و كان أكثر من قدر احتمال قوة الهضم، و لم يستحكم هضمه، تولد منه غذاء رديء.
و النحو الثالث: تقديم ما ينبغي أن يقدّم من الطعام، و تأخير ما ينبغي أن يؤخر منه؛ و مثل ذلك أنه ربما جمع الإنسان في أكلة واحدة طعاما يلين البطن و طعاما يحبسه، فإن هو قدم الملين و أتبعه الآخر، سهل انحدار الطعام منه: و متى قدم الطعام الحابس و أتبعه الملين، لم ينحدر و فسدا جميعا. و ذلك أن الملين حال فيما بينه و بين نزول الطعام الحابس، فبقي في المعدة بعد انهضامه، ففسد به الطعام الآخر. و متى كان الطعام الملين قبل الحابس انحدر الملين بعد انهضامه، و سهل الطريق لانحدار الحابس. و كذلك أيضا لو جمع أحد في أكلة واحدة طعاما سريع الانهضام و آخر بطيء الانهضام، فينبغي له أن يقدّم البطيء الانهضام و يتبعه السريع الانهضام، ليصير البطيء الانهضام في قعر المعدة. لأن قعر المعدة أسخن، و هو أقوى على الهضم، لكثرة ما فيه من أجزاء اللحم المخالطة له، و أعلى المعدة عصبي بارد لطيف ضعيف الهضم، و لذلك إذا طفا الطعام على رأس المعدة لم ينهضم.
و النحو الرابع: أن يتناول الطعام الثاني بعد انحدار الأول و قد قدّم قبله حركة كافية و أتبعه بنوم كاف، استمراءه؛ و من أخذ الطعام و قد بقي في معدته أو أمعائه بقية من الطعام الأول غير منهضمة، فسد الطعام الثاني ببقية الأوّل.