العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٠٢ - يوم دارة جلجل
مستنقعات في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط، و لا يوم دارة جلجل. و انصرفت مستحييا.
فنادينني: يا صاحب البغلة، ارجع نسألك عن شيء.
فرجعت إليهنّ، فقعدن في الماء إلى حلوقهن، ثم قلن: باللََّه إلا ما أخبرتنا ما كان من حديث دارة جلجل.
قلت: حدثني جدّي-أنا يومئذ غلام حافظ-أن امرأ القيس كان عاشقا لابنة عمه، و يقال لها عنيزة؛ و أنه طلبها زمانا فلم يصل إليها، حتى كان يوم الغدير، و هو يوم دارة جلجل؛ و ذلك أنّ الحيّ تحمّلوا، فتقدم الرجال، و تخلف النساء و الخدم و الثقل [١] ؛ فلما رأى ذلك امرؤ القيس، تخلف بعد ما سار مع رجال قومه غلوة، فكمن في غيابة من الأرض، حتى مرّ به النساء و فيهنّ عنيزة، فلما وردن الغدير قلن:
لو نزلنا و اغتسلنا في هذا الغدير فذهب عنا بعض الكلال. فنزلن في الغدير، و نحّين العبيد، ثم تجرّدن فوقعن فيه، فأتاهنّ امرؤ القيس فأخذ ثيابهنّ، فجمعها و قعد عليها، و قال: و اللََّه لا أعطي جارية منكنّ ثوبها و لو قعدت في الغدير يومها، حتى تخرج متجرّدة فتأخذ ثوبها!فأبين ذلك عليه، حتى تعالى النهار و خشين أن يقصرن عن المنزل الذي يردنه، فخرجن جميعا غير عنيزة؛ فناشدته اللََّه أن يطرح ثوبها، فأبى، فخرجت؛ فنظر إليها مقبلة و مدبرة.
و أقبلن عليه فقلن له: إنك عذبتنا و حبستنا و أجعتنا!قال: فإن نحرت لكنّ ناقتي أ تأكلن معي؟قلن: نعم، فجرّد سيفه فعرقبها و نحرها، ثم كشطها، و جمع الخدم حطبا كثيرا، فأجّجن نارا عظيمة، فجعل يقطع أطايبها و يلقي على الجمر، و يأكلن و يأكل معهنّ، و يشرب من فضلة كانت معه و يسقيهنّ، و ينبذ إلى العبيد من الكباب.
فما أرادوا الرحيل قالت إحداهنّ: أنا أحمل طنفسته [٢] . و قالت الأخرى: أنا
[١] الثقل: متاع المسافر و حشمه.
[٢] الطنفسة: البساط: و النمرقة فوق الرحل.