العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ١٥٤ - خبر الجعدين
إنّ العيون التي في طرفها مرض # قتلننا ثمّ لم يحيين قتلانا
يصرعن ذا اللّبّ حتى لا حراك به # و هنّ أضعف خلق اللََّه إنسانا
ثم قمت لأصلح من أمر فرسي، فرجعت و قد حسر العمامة عن رأسه؛ و إذا غلام كأنّ وجهه دينار هرقلي، فقلت: سبحانك اللهم!ما أعظم قدرتك!قال: فكيف؟ قلت: ذلك مما راعني من نورك، و بهرني من جمالك!قال: و ما الذي يروعك من زرق العيون و حبيس التراب، ثم لا تدري أ ينعم بعدك أم يبأس؟قلت: لا يصنع اللََّه بك إلا خيرا.
ثم قام إلى فرسه، فلما أقبل برقت لي بارقة من تحت الدرع، فإذا ثدي كأنه حقّ [١]
عاج، قلت: نشدتك اللََّه، امرأة أنت؟قالت: إي و اللََّه، و تكره العهر، و تحب الغزل! قلت: و أنا و اللََّه كذلك!فجلست و اللََّه تحدثني ما أنكر من أمرها شيئا، حتى مالت على الدوحة سكرى؛ فاستحسنت و اللََّه يا ابن أبي ربيعة الغدر، و زيّن في عيني؛ ثم إن اللََّه عصمني؛ فما لبثت أن انتبهت مذعورة، فلاثت عمامتها برأسها، و أخذت الرمح، و جالت في متن فرسها؛ فقلت: مضيت و لم تزوّديني منك زادا!فأعطتني بنانها فشممت و اللََّه منها كالنبات الممطور زهر [٢] الثلج؛ ثم قلت: أين الموعد؟قالت: إن لي إخوة شرسا [٣] و أبا غيورا، و اللََّه لأن أسرّك أحبّ إليّ من أن أضرّك!ثم مضت فكان و اللََّه آخر العهد بها إلى يومي هذا، و هي التي بلّغتني هذا المبلغ و أحلّتني هذا المحل! قال: فدخلتني له رقّة؛ فلما انقضى الموسم شددت على ناقتي و شدّ على ناقته، و حملت غلاما لي على بعير، و حملت عليه قبة حمراء من أدم كانت لأبي ربيعة،
[١] الحقّ: وعاء صغير ذو غطاء يتخذ من عاج او زجاج او غيرهما.
[٢] الزهر: جمع أزهر، و هو الأبيض.
[٣] شرسا: جمع أشرس: و هو العسر الخلق الشديد الخلاف.