العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٥ - حديث عباس بن الأحنف
و انبسط الرجل، فإذا هو أحلى خلق اللََّه إذا حدّث، و أحسنهم استماعا إذا حدّث، و أمسكهم عن ملاحاة إذا خولف؛ ثم أفضينا منه إلى أكرم مخالقة، و أجمل مساعدة؛ و كنا ربما امتحناه بأن ندعوه إلى الشيء الذي نعلم أنه يكرهه، فيظهر لنا أنه لا يحب غيره، و يرى ذلك في إشراق وجهه؛ فكنا نغني به عن حسن الغناء، و نتدارس أخباره و آدابه؛ فشغلنا ذلك عن تعرّف اسمه و نسبه، فلم يكن منا إلا تعرّف الكنية، فإنا سألناه عنها فقال: أبو الفضل.
فقال لنا يوما بعد اتصال الأنس: أ لا أخبركم بم عرفتكم؟قلنا: إنا لنحب ذلك.
قال: أحببت جارية في جواركم، و كانت سيدتها ذات حبائب [١] ؛ فكنت أجلس لها في الطريق ألتمس اجتيازها، فأراها؛ حتى أخلقني الجلوس على الطريق و رأيت غرفتكم هذه، فسألت عن خبرها، فخبرت عن ائتلافكم و تمالئكم، و مساعدة بعضكم بعضا؛ فكان الدخول فيما أنتم فيه أسرّ عندي من الجارية. فسألناه عنها فخبرها، فقلنا له:
نحن نختدعها حتى نظفرك بها!فقال: يا إخواني، إني و اللََّه على ما ترون مني من شدة الشغف و الكلف بها، ما قدّرت فيها حراما قط و لا تقديري إلا مطاولتها و مصابرتها إلى أن يمنّ اللََّه بثروة فأشتريها! فأقام معنا شهرين، و نحن على غاية الاغتباط بقربه، و السرور بصحبته، إلى أن اختلس منا، فنالنا بفراقه ثكل ممضّ، و لوعة مؤلمة، و لم نعرف له منزلا نلتمسه فيه؛ فكدر علينا من العيش ما كان طاب لنا به، و قبح عندنا ما كان حسن بقربه، و جعلنا لا نرى سرورا و لا غمّا إلا ما ذكرناه، لاتصال السرور بصحبته و حضوره، و الغمّ بمفارقته؛ فكنا فيه كما قال الشاعر:
يذكّرنيهم كلّ خير رأيته # و شرّ، فما أنفك منهم على ذكر
فغاب عنا زهاء عشرين يوما، فبينما نحن مجتازون يوما من الرصافة، إذا به قد طلع في موكب نبيل، و زيّ جليل، فلما بصر بنا انحط عن دابته و انحط غلمانه، ثم
[١] حبائب: جمع حبيبة.