العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٤ - حديث عباس بن الأحنف
جاد به، و قد كان قديما ولي شرطة البصرة، فحدثني هذا الحديث الذي أذكره، و وقع إليّ من غير ناحيته، و لا أذكر ما بينهما من الزيادة و النقصان، إلا أن معاني الحديث مجموعة فيما أذكر لك:
ذكر أن فتيانا كانوا مجتمعين في نظام واحد، كلهم ابن نعمة، و كلهم قد شرد عن أهله و قنع بأصحابه، فذكر ذاكر منهم قال:
كنا قد اكترينا [١] دارا شارعة على أحد طرق بغداد المعمورة بالناس، و كنا نفلس أحيانا و نوسر أحيانا، على مقدار ما يمكن الواحد من أهله، و كنا لا ننكر أن تقع مئونتنا على واحد منا إذا أمكنه، و يبقى الواحد منا لا يقدر على شيء، فيقوم به أصحابه الدهر الأطول، و كنا إذا أيسرنا أكلنا من الطعام ألينه، و دعونا الملهين و الملهيات، و كان جلوسنا في أسفل الدار، فإذا عدمنا الطرب جلسنا في غرفة لنا نتمتع منها بالنظر إلى الناس؛ و كنا لا نخلّ بالنبيذ في عسر و لا يسر؛ فإنا لكذلك يوما إذا بفتى يستأذن علينا، فقلنا له: اصعد. فإذا رجل نظيف، حلو الوجه، سريّ الهيئة، ينيء رواؤه [٢] على أنه من أبناء النعم؛ فأقبل علينا فقال: إني سمعت مجتمعكم، و حسن منادمتكم!و صحة ألفتكم، حتى كأنكم أدرجتم جميعا فى قالب واحد: فأحببت أن أكون واحدا منكم فلا تحتشموا.
قال: و صادف ذلك منا إقتارا من القوت؛ و كثرة من النبيذ، و قد كان قال لغلام له: أول ما يأذنون لي أن أكون كأحدهم، هات ما عندك. فغاب الغلام عنا غير كثير، ثم أتانا بسلّة خيزران، فيها طعام المطبخ، من جدي، و دجاج، و فراخ، و رقاق [٣] ، و أشنان، و محلب [٤] ، و أخلة [٥] ؛ فأصبنا من ذلك، ثم أفضنا في شرابنا.
[١] اكترى دارا: استأجرها.
[٢] الرواء الذي ينظر في الشيء و يتعقبه و لا يعجل بجواب.
[٣] الرقاق: الخبز المنبسط الرقيق.
[٤] المحلب: شجر له حبّ يجعل في الطيب.
[٥] الاخلة: جمع خلال: و هو ما تخلل به الاسنان.