العقد الفريد - ابن عبد ربه - الصفحة ٩٦ - حديث عباس بن الأحنف
قال: يا إخواني، و اللََّه ما هنأني عيش بعدكم، و لست أماطلكم بخبري حتى آتى المنزل، و لكن ميلوا بنا إلى المسجد. فملنا معه، فقال: أعرّفكم أولا بنفسي، أنا العباس بن الأحنف؛ و كان من خبري بعدكم أني خرجت إلى منزلي من عندكم؛ فإذا المسوّدة محيطة بي، فمضي بي إلى دار أمير المؤمنين، فصرت إلى يحيى بن خالد، فقال لي:
ويحك يا عباس!إنما اخترتك من ظرفاء الشعراء، لقرب مأخذك، و حسن تأتّيك! و إن الذي ندبتك له من شأنك؛ و قد عرفت خطرات الخلفاء، و إني أخبرك أنّ ماردة هي الغالبة على أمير المؤمنين اليوم، و أنه جرى بينهما عتب؛ فهي بدالة المعشوق تأبى أن تعتذر، و هو بعز الخلافة و شرف الملك يأبى ذلك؛ و قد رمت الأمر من قبلها فأعياني، و هو أحرى أن تستعزّه [١] الصبابة؛ فقل شعرا يسهّل عليه هذه السبيل.
فقضى كلامه.
ثم دعاني إلى أمير المؤمنين، فصرت إليه و أعطيت قرطاسا و دواة، فاعتراني الزّمع [٢] و أذهب عني ما أريد الاستحثاث؛ فتعذرت عليّ كلّ عروض [٣] ، و نفرت عني كل قافية؛ ثم انفتح لي شيء، و الرسل تعنتني؛ فجاءتني أربعة أبيات رضيتها، وقعت صحيحة المعنى، سهلة الألفاظ، ملائمة لما طلب مني؛ فقلت لأحد الرسل: أبلغ الوزير أني قلت أربعة أبيات، فإن كان بها مقنع و وجهت بها. فرجع إليّ الرسول بأن هاتها، ففي أقل منها مقنع. و في ذهاب الرسول و رجوعه قلت بيتين من غير ذلك الرويّ، فكتبت الأبيات الأربعة في صدر الرقعة، و عقّبت بالبيتين، فقلت:
العاشقان كلاهما متغضّب # و كلاهما متوجّد متعتّب
صدّت مغاضبة و صد مغاضبا # و كلاهما مما يعالج متعب
راجع أحبتك الذين هجرتهم # إن المتيّم قلما يتجنّب
إنّ التجنّب إن تطاول منكما # دبّ السّلو له فعزّ المطلب
ثم كتبت تحت ذلك:
[١] تستعزه: تغلبه.
[٢] الزمع: الدهش و الخوف، و شبه الرعدة تأخذ الانسان.
[٣] العروض ميزان الشعر.