الطليعه من شعراء الشيعه - السماوي، الشيخ محمد - الصفحة ٤٣
كان حفظة يحفظ أربعة عشر أرجوزة للعرب غير القصائد والمقطعات، وشاعرا مفلقا، حسن البديهة، مدح أحمد بن المعتصم العباسي بقصيدة أولها:
ما في وقوفك ساعة من باس ... نقضي رسوم الأربع الأدراس
فأنشده إياها حتى وصل إلى قوله منها:
إقدام عمرو في سماحة حاتم ... في حلم أحنف في ذكاء إياس
فقال أبو يوسف يعقوب بن الصباح الكندي وكان حاضرا: الأمير فوق ما وصفت، فأطرق قليلا ثم رفع رأسه فقال:
لا تنكروا ضربي له من دونه ... مثلا شرودا في الندى والباس
فالله قد ضرب الأقل لنوره ... مقلا من المشكاة والنبراس
ثم استمر على إتمام القصيدة، ولما أخذت القصيدة منه لم ير فيها هذان البيتان، فعجب من بديهته.
وقال الكندي: إنه لقصير العمر، فإن هذا الذكاء قاتل.
وذكر له المؤرخون جملة من الأحاديث والماجريات وهي موجودة مطبوعة.
ومن رقائق أغزاله قوله رحمه الله:
يا شادنا صيغ من الشمس ... ته بالملاحات على الإنس
والله لولا الله لا غيره ... وخوفي النار على نفسي
صليت خمسا لك من هيبة ... وزدت ثنتين على الخمس
ومن شعره في المذهب قوله من قصيدة:
ويوم الغدير استوضح الحق أهله ... بفيحاء لا فيها حجاب ولا ستر
أقام رسول الله يدعوهم بها ... ليقربهم عرف وينهاهم نكر
يمد بضبعيه ويعلم أنه ... ولي ومولاكم فهل لكم خبر
يروح ويغدو بالبيان لمعشر ... يروح بهم غمر ويغدو بهم غمر
فكان لهم جهر بإثبات حقه ... وكان لهم في بزهم حقه ستر
ومنها:
فعلتم بأبناء النبي ورهطه ... أفاعيل أدناها الخيانة والغدر
ومن قبله خلفتم لوصيه ... بداهية دهياء ليس لها قدر
أخوه إذا عد الفخار وصهره ... فلا مثله أخ ولا مثله صهر
وشد به أزر النبي محمد ... كما شد موسى بهارونه الأزر
طغى من عليها واستبدوا برأيهم ... وقولهم إلا أقلهم الكفر
لكم ذخركم إن النبي ورهطه ... وحبلهم ذخري إذا التمس الذخر
جعلت هواي الفاطميين زلفة ... إلى خالقي ما دمت أو دام لي عمر
وهي طويلة. ولا حاجة لنقل شعره لأن ديوانه مطبوع.
ولد سنة ثمان وثمانين، أو تسعين، أو اثنتين وتسعين ومائة.
وتوفي بالموصل سنة إحدى، أو اثنتين وثلاثين ومائتين، ورثاه دعبلا وعبد السلام بن رغبان بأبيات أذكرها فيما بعد إن شاء الله.
٥٥_ حبيب بن مهدي من آل شعبان النجفي، المعروف بالشيخ حبيب شعبان
فاضل ذكي، وناسك زكي، وأديب حسن الحاضرة، ظريف المعاشرة.
كان أبوه في النجف ذا حرفة لم تتسع لإعاشة ولده وهو ذو همة سامية، فسافر إلى كربلاء وحضر على السيد محمد باقر الطباطبائي مدة ثم فارقها لإباء فيه وشهامة وعزة نفس فعزفت به همته إلى جهة الهند وهو اليوم بها منقطع عني خبره وكان أليفا لي في النجف وشريكي في بعض الدروس. وله شعر في الطبقة الوسطى لم يكد يمدح به إلا أهل البيت عليهم السلام، فمنهم قوله:
هي الغيد تسقي من لواحظها خمرا ... لذلك لا تنفك عشاقها سكرى
ضعائف لا تقوى قلوب ذوي الهوى ... على هجرتها حتى تموت به صبرا
وما أنا ممن يستلبن فؤاده ... وينفثن بالألحاظ في عقله سحرا
يقول فيها:
عليك أبا السجاد ما أحسن البكا ... وما أقبح الدنيا لفقدك والصبرا
أتقضي ولم تشرب من الماء قطرة ... تريبا وفيك الناس تستنزل القطرا
وتعدو عليك العاديات مجردا ... ترض لك الصدر الذي استودع السرا
ويرفع فوق الرمح منك محجب ... إذا ما تبدى حجب الشمس والبدرا
وقوله من أخرى:
يا أمة نبذت وراء ظهورها ... بعد النبي إمامها وكتابها
ماذا نقمت من الوصي ألم يكن ... لمدينة العلم الحصينة بابها
أم هل سواه أخ لأحمد مرتضى ... من دونه قاسي الكروب صعابها
يقول فيها:
منعته من ماء الفرات ومكنت ... منها خنازير الفلا وذئابها
حتى قضوا عطشا فلا تهمي السما ... أسفا ولا تزجي الرياح سحابها
أضحت بهم ثكلى شريعة أحمد ... ويسبط أحمد ما أجل مصابها
تبدي الحداد عليه وهي حقيقة ... لكن فيض دماه كان خضابها