الطليعه من شعراء الشيعه - السماوي، الشيخ محمد - الصفحة ١٩٩
وتوفي في فارس سنة ألف ومائة وخمس عشر رحمه الله تعالى ورضي عنه.
٢٥٥_محمد الحسن بن محمد الصالح بن المصطفى من آل كبة البغدادي
هذا الرجل موضع قول القائل الجاري مجرى المثل:
وآخر فاز بكلتيهما ... قد جمع الدنيا مع الآخره
فقد كان في شبابه والدنيا ملقية إليه الزمام، والدهر مقبل عليه بملأ فمه من الابتسام، رافلاً في ثوب بلهنية ونهمة، مستظلاً بظل حرمة وحشمة، منادماً أفاضل الأدباء، ممدحاً لممدوحي الشعراء، مجيزاً لمن لا يقبل الجوائز كبراً فيأخذها المجاز ويعدها فخراً، على أنه في خلال ذلك متمسك بالشرع غير خارج عن حائطة الدين مسلك آبائه الأماثل، وأجداده الأفاضل، وله في تلك الأيام شعر رقيق اللفظ، حر المعنى، منسجم التركيب.
ثم عزف عن الدنيا، فضربت به همته العليا، رفعاً إلى طلب العلم، فتجرد له حتى فاز برتبة الاجتهاد في سنين قلائل، وفي كهولية عمر، فهو اليوم خير منه بالأمس، للناس وللنفس، وهو لعمري كما قلت: أخذ بشطري الدنيا والدين، فائزاً بالأولى وبالأخرى حاظ بكلتيهما، فمن شعره قوله:
لك قامة تدعى بصعده ... وحسام لحظ ما أحدّه
جدّلت في حديهما ... مضنى يكابد فيك وجده
حيران مسلوب القوى ... كلفاً لديك أضاع رشده
فسل الحمى عن وجده ... إذ كابد الزفرات وحده
وقوله سلّمه الله:
هل سلا عاشق سواي فأسلو ... والتأسي في شرعة الحب يحلو
لا وإلفي ما راق عيني إلا ... أعين تخجل المها وهي نجل
هي مرضى وما بهن سقام ... وهي كحلاً وليس فيهن كحل
زججت حاجباً لنا وهو قوس ... ورمتني بلحظها وهو نبل
يا حبيباً أدال صدغيه حسن ... وقضيباً أمال عطفيه دل
رشق فلبي بسم لحظيك جور ... واقتطافي من ورد خديك عدل
ووصالي إن كان عندك صعب ... فحمامي مذ بنت سهل
وقوله مكاتباً السيد حيدر الحلي:
ناديت من سلب الكرى عن ناظري ... وتجلدي بقطيعة وفراقِ
أمناي أنت القلب بين جوانحي ... أمناي أنت النور في أحداقي
هلا ترق لمغرم متجلبب ... برد العفاف رميّة الأشواق
فحشاشتي ذابت عليك صبابة ... والعين ترعف بالدم المهراق
إن كنت فرداً في الجمال فإنني ... تالله فيك لواحد العشاق
وأنا الأثيل المجد بدر سما العلا ... فرع المكارم طيب الأعراق
فإذا الملا اضطربت بها آراؤها ... لعظيمة كشفت لهم عن ساق
أهديهم نهج الصواب بفكرة ... كالشمس مشرقة على الآفاق
وإذا السنون تتابعت أوليتها ... من راحتي بوابل غيداق
وإذا الوغى ازدحمت أذقت أسودها ... طعم الحمام على متون عتاق
وهي طويلة، ومن شعره في المذهب قوله مراجعاً وقد عزم على السفر إلى النجف والمجاورة لأمير المؤمنين عليه السلام وأنشدنيه من لفظه:
وقائلة وأدمعها استهلت ... غيوثاً دون وابلها الغيوثُ
رحلت فمن تؤمل قلت مولى ... إليه يحمد السير الحثيثُ
فقالت كيف تدرك ما تمنى ... وركب النجح يسرع أو يريث
فقلت بكفؤ فاطمة استغثنا ... فقالت لي أجل نعم المغيث
فمن لربوع مجدك قلت أهل ... لا تحمي عرينتها الليوث
وقوله في قصيدة حسينية أنشدنيها أيضاً:
ما لعينيَّ بالدما تنضجانِ ... ولقلبي سال عن السلوانِ
لم أشجيت واجداً بمناحي ... ساجعات على فروع البانِ
أفهل ساق مهجة النفس عني ... يوم كوفان سائق الأضعانِ
أم تذكرت بالطفوف صريعاً ... فوق رمضائها بلا أكفانِ
وقتيلاً مغسلاً بدموع ... داميات تنضب كالعقيان
كم أقاح في الغاضرية أضحى ... من دموعي شقائق النعمان
وقليل إن سال إنسان عيني ... تلك عين الهدى بلا إنسان
وقوله من أخرى أيضاً:
عجباً وتلك من العجائبْ ... والدهر شيمته الغرائبْ
ويل الزمان وقلما ... يصفو الزمان من الشوائبْ
ما لي ومالك يا زمان ... وما لقلبي والنوائبْ
ما أنت إلا آبق ... يا ذا الزمان فمن أعاتب
ليست بأول غدرة ... أوليتها الشم الأطايب
إن الحسين غداة يوم ... ألطف أنسانا المصائب