الطليعه من شعراء الشيعه - السماوي، الشيخ محمد - الصفحة ١٠٥
كان أديبا شاعرا جزل المعنى، سهل المبنى، حلو الانسجام، وكان أكبر سنا من أخيه المذكور في الحاء، وكان أخيه سيلقي النظم، يقول فيعرب، وينظم فيطرب.
أخبرني غير واحد أنه أنشد في مجلس السيد المهدي القزويني بالحلة أبياتا له في الغزل ثلاثة وهي قوله رحمه الله تعالى:
بأبي الذي مهما شكوت وداده ... طلب الشهود وذاك منه مليح
قلت اللسان فقال ذلك ملجلج ... قلت الفؤاد فقال ذاك جريح
والدمع قلت فقال ذاك مقذف ... والجسم قلت فقال ليس صحيح
فاعترضه بعض الحاضرين فقال قولك (ليس صحيح) ملحن، لمكان ليس، فالتفت إلى الجالسين وقال: انظروا، أنا أقول ليس صحيح، وهو يعترض علي بذلك، وهذا منه تندير مليح.
ومن مليحه قول ابن نباته المصري:
لا تلمني إذا تلجلج بالسكر لساني ... فقلت بالكسر هاته
بفتح تائه، أزحفها الكسر، فاعتذر بأنه كسر السكر لسانه ففتح التاء.
ومن شعر الصالح قوله:
أعاتبه فيصبغ وجنتيه ... بلون العندم القاني عتابي
ويرمقني فيكسو حر وجهي ... مخافة سخطه صفر الثياب
وأطنب بالسؤال بغير داع ... وما قصدي سوى رد الجواب
وقوله:
قلبي خزانة كل علم ... كان في عصر الشباب
وأتى المشيب فكدت أنسى ... فيه فاتحة الكتاب
وقوله في برد:
إن هذا البرد في شدته ... ضم أعضائي وأحنى قامتي
صار رأسي بين رجلي فما ... تتميز لحيتي من عانتي
وقوله في طفيلي:
إذا سمع الوليمة عند قوم ... تمنى ذقنه منديل أيدي
ليصبح لاعقا ودكا عليها ... تعلق من يدي عمرو وزيد
ومن شعره في المذهب قوله في حسينية:
أغابات أسد أم بروج كواكب ... أم الطف فيه استشهدوا آل غالب
ونشر الخزامى سار تحمله الصبا ... أم الطيب من مثوى الكرام الأطايب
وقفت بها رهن الحوادث أنثني ... من الوجد حتى خلتني قوس حاجب
يقول فيها:
أبا حسن إن الذين نماهم ... أبو طالب بالطف ثار لطالب
تعاوت عليهم من بني حرب عصبة ... لثارات يوم الفتح حرى الجوانب
فساموهم إما الحياة بذلة ... أو الموت، فاختاروا أعز المراتب
فها هم على الغراء ميل رقابهم ... ولما تمل من ذلة في الشواغب
تلبي بنو ذبيان أصوات فتية ... لهم قتلت صبرا بأيدي الأجانب
وصبيتكم أسرى وحسرى نساءكم ... دعون ولم يسمع لها من مجاوب
يشير في هذين البيتين إلى يوم جفر الهباتة حين قتل بنو عبس بني ذبيان لقتل الأولاد فجعلوا كلما قتلوا قتيلا ينادون لبيكم، لبيكم، يعنون أنكم استغثتم بنا فأجبناكم الآن، فكان على شاعرنا أن يقول: تلبي بنو عبس لأصوات فتية، لا بنو ذبيان، ولكنه وهم وجل من لا ييهم.
وقوله في أخرى:
لي حزن يعقوب لا ينفك ذا لهب ... لصرع نصب عيني لا الدم الكذب
ومعشر راودتهم عن نفوسهم ... بيض الظبا غير بيض الخرد العرب
فأنعموا بنفوس لا عديل لهم ... حتى استلينت على الخرصان والقضب
وآنسين من الهيجاء نار وغى ... في جانب الطف ترمي الشهب بالشهب
ورازقي الطير ما دامت قواضبهم ... من كل شلو من الأعداء مقتضب
فيمموها وفي الأيمان بيض ظبا ... وما لهم غير نصر الله من أرب
إذا انتضوها بجمع من عدوهم ... فالهام ساجدة منها على الترب
والعاديات من الفسطاط ضابحة ... والموريات وناد الحزن باللهب
والذاريات ترابا فوق أرؤسها ... حزنا لكل صريع بالعرا سلب
والمرسلات من الأجفان عبرتها ... والنازعات برودا في يد السلب
ورب مرضعة منهن قد نظرت ... رضيعها فاحص الرجلين في الترب
تشوط عنه وتأتيه مكابدة ... من حاله وظماها أعظم الكرب
فقل بهاجر إسماعيل أحزنها ... متى تشط عنه من خوف الردى تؤوب
ما حكتها ولا أم الكليم أسى ... غداة في اليم ألقته من الطلب
هذي إليها ابنها قد عاد مرتضعا ... وهذه قد سقي بالبارد العذب
فأين هاتان ممن قد قضى عطشا ... رضيعها ونأى عنها ولم يؤب
وله غير ذلك كثيرا.