الطليعه من شعراء الشيعه - السماوي، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤٤
إلى كم مصابيح الدجى ليس تطلع ... وحتى م غيم الجو لا يتقشع
لقد طبق الآفاق شرقاً ومغرباً ... فلا ينجلي آناً ولا يتقطع
وأمطر في كل البلاد صواعقاً ... وهبت له ريح من الشر زعزع
يقولون في أرض العراق تشعشع ... وما بقعة إلا وفيها تزعزع
يقول فيها:
وأعظم من كل الرزايا رزية ... مصارع يوم الطف أدهى وأشنع
بها لبس الدين الحنيفي حلة ... من الذل لا تبلى ولا تتقطع
فما أنس لا أنس الحسين ورهطه ... وعترته بالطف ظلماً تصرع
تزلزلت الأفلاك من كل جانب ... وكاد السما ينقض والأرض تقلع
وعرج جبريل ينوح بحرقة ... ويشجي لأفلاك السما ويفجع
ويقول:
أيا سادتي يا آل بيت محمد ... بكم مفلح مستعصم متمنع
فدونكموها من محب متيم ... له كبد حرى وقلب مولع
ولا طاقتي إلا المدائح والهجا ... وليس بهذا علة القلب تنقع
وقوله:
أعدلك يا هذا الزمان ... أم الجور مفروض عليك محتم
إذا زاد فضل المرء زاد امتحانه ... وترعى لمن لا فضل فيه وترحم
وذاك لأن الدين والعلم والتقى ... له معدن أهلون يؤخذ عنهم
فمعدنه آل النبي محمد ... وخيرهم صنو النبي المعظم
فأقبلت الدنيا إليه بزينةٍ ... وألقت إليه نفسها إذا تبسم
فأعرض عنها كارهاً لنعيمها ... وقابلها منه الطلاق المحرم
ثم استرسل ورثى فقال:
ففوق كل سهمه وهو مغرق ... من النزع نحو السبط وهو مصمم
فخر طريحاً في التراب معفراً ... يعالج نزع السهم وهو محكم
تكاد السموات الشداد لقتله ... تفطر والأرضون تخسف فيهم
ثم قال:
أيا سادتي يا آل بيت محمد ... بكم مفلح مستعصم متلزم
فأنتم له حصن منيع وجنة=وعروته الوثقى بداريه أنتم
ألا فاقبلوا من عبدكم ما استطاعه ... فعبدكم عبد مقل ومعدم
وله غير ذلك.
توفي سنة تسعمائة تقريباً، رحمه الله تعالى.
٣٠٩-منصور بن الزبرقان بن سلمة بن شريك بن مطعم الكبش، من النمر ابن قاسط النمري الجزري، أبو عبد الله
كان شاعراً غير منازع، فحلاً غير مفارع.
قال الشريف في الدرر: إن أبا عصمة الشعبي لما أوقع بأهل ربيعة، أوفدت ربيعة وفداً إلى الرشيد فيهم منصور النمري، فلما صاروا بباب الرشيد أمرهم باختيار من يدخل منهم عليه، فاختاروا عداداًً بعد عدد، إلى أن اختاروا رجلين أحدهما النمري ليدخلا عليه ويسألا حوائجهما، وكان النميري مؤدباً، ولم يسمع منه شعر قط قبل ذلك ولا عرف به، فلما مثل هو وصاحبه بين يدي الرشيد قال لهما: قولا ما تريدان، فاندفع النمري فأنشده قوله [من البسيط] :
ما تنقضي حسرة مني ولا جزع ... إذا ذكرت شباباً ليس يرتجع
فقال الرشيد: قل حاجتك، وعد عن هذا، فقال:
بان الشباب وفاتتني بلذته ... صروف دهر وأيام لها خدع
ماكنت أوفي شبابي كنه عزته ... حتى انقضى فإذا الدنيا له تبع
فلما بلغ إلى هنا تحرك الرشيد وقال: صدقت والله لا يتهنأ أحد بعيش حتى يخطر برداء الشباب، هيه، فاندفع يقول [من البسيط] :
ركب من النمر عاذوا بابن عمهم ... من هاشم إذ ألح الأزلم الجذع
منوا إليك بقربى منك تعرفها ... لهم بها في سنام المجد مطلع
إن المكارم والمعروف أوديةٌ ... أحلك الله منها حيث تجتمع
نفسي فداؤك والأقوام معلمة ... يوم الوغى والمنايا بينها قرع
إذا رفعت امرأً فالله يرفعه ... ومن وضعت من الأقوام متضع
أي امرىءٍ بات من هارون في سخط ... فليس بالصلوات الخمس ينتفع
إن أخلف القطر نلنا من ميامنه ... أو ضاق أمر ذكرناه فيتسع
حتى أتى على آخرها، فقال: ويحك! قل حاجتك.
فقال: يا أمير المؤمنين أخربت الديار، وأخذت الأموال، وهتكت الحرم.
فقال: اكتبوا له بكل مايريد، وأمر له بثلاثين ألف درهم، واحتبسه عنده، وشخص أصحابه بالكتب، ولم يزل عنده يقول الشعر فيه حتى استأذنه بالانصراف، فأذن له فانصرف، ثم اتصل بالرشيد أن يوري عن علي بن أبي طالب عليه السلام بذكر هارون.