الطليعه من شعراء الشيعه - السماوي، الشيخ محمد - الصفحة ٢٠٦
يقول فيها:
سقى اللهُ المدينةَ منْ محلٍّ ... لبابَ الماءِ والنُّطفِ العذابِ
وجادَ على البقيعِ وساكنيهِ ... رخيُّ الذّيلِ ملآنُ الوطابِ
وأعلام الغريّ، وما استباحتْ ... معالمها من الحسبِ الُّلبابِ
وقبراً بالطُّفوفِ يضمّ شلواً، ... قضى ظمأً إلى بردِ الشّرابِ
وبغداد، وسامرا وطوساً، ... هطولَ الودقِ منخرقَ العبابِ
قبورٌ تنطفُ العبراتُ فيها، ... كما نطفَ الصَّبيرُ على الرّوابي
فلو بخلَ السّحابُ على ثراها ... لجادت فوقها قطعُ السّرابِ
سقاكَ فكمْ ظمئتُ إليك شوقاً ... على عدواءِ داري وقترابي
تجافي يا جنوبَ الرّيحِ عنّي، ... وصوبي فضلَ بردكِ عن جنابي
ولا تسري إليّ مع الليالي، ... وما استقبحتُ من ذاكَ الشرابِ
قليلٌ أن تقادَ لهُ الغوادي، ... وتنحرُ فيهِ أرقابِ السّحابِ
أما شرقَ التّرابُ بساكنيهِ ... فيلفظهمْ إلى النِّعمِ الرّغابِ
فكمْ غدتِ الركائب وهي سكرى ... تديرُ عليهمُ كأسَ المصابِ
صلاةُ اللهِ تخفقُ كلّ يومٍ ... على تلك المعالمِ والقبابِ
وإنّي لا أزالُ أكرّ عزمي، ... وإن قلّت مساعدةُ الصّحابِ
وأخترقُ الرّياحَ إلى نسيمٍ، ... تطلّعَ منْ ترابِ أبي ترابِ
بودّي أن تطاوعني الّليالي، ... وينشبَ في المنى ظفري ونابي
فأرمي العيسَ نحمكمُ سهاماً، ... تقلقلُ بين أحشاء الرحاب
لعلّي أنْ أبلّ بكمْ غليلاً ... تغلغلَ بينَ قلبي والحجابِ
فما لقياكمُ إلاّ دليلٌ ... على كنزِ الغنيمةِ والثّوابِ
ولي قبران بالزّوراءِِ أشفى ... بقربهما نزاعي واكتئابي
أقودُ إليهما نفسي وأهدي ... سلاماً لا يحيدُ عنِ الجوابِ
لقاؤهما يطهّرُ منْ جناني، ... ويدرأ عن ردائي كلَّ عابِ
قسيمُ النّارِ جدّي يومَ يلقى ... بهِ بابُ النّجاةِ منَ العذابِ
وساقي الخلقِ والمهجاتُ حرّى، ... وفاتحةُ الصّراطِ إلى الحسابِ
ومنْ سمحتْ بخاتمهِ يمينٌ ... تضنُّ بكلّ عاليةِ الكعابِ
أما في بابِ خيبرَ معجزاتٌ ... تصدَّقُ، أو مناجاةُ الحبابِ
أرادتْ كيدهُ، والله يأبى، ... فجاءَ النّصرُ منْ قبلِ الغرابِ
أهذا البدرُ يخسفُ بالدّياجي، ... وهذي الشمسُ تطمسُ بالضَّبابِ
وكان إذا استطالَ عليهِ جانٍ، ... يرى تركَ العقابِ منَ العقابِ
أرى شعبانَ يذكر لي اشتياقي، ... فمنْ لي أنْ يذكّركمْ ثوابي
بكمْ في الشِّعرِ فخري لا بشعري، ... وعنكمْ طالَ باعي في الخطابِ
أجلّ عنِ القبائحِ غيرَ أنّي ... لكمْ أرمي وأرمى بالشَّرابِ
فأجهرُ بالولاءِ، ولا أبالي، ... وأنطقُ بالبراءِ، ولا أحابي
وهي طويلة، وله كثير فيهم عليهم السلام، وديوانه مطبوع، وترجمته معروفة فلا حاجة إلى النقل من ذا والإكثار من هذه.
ولد سنة ثلاثمائة وتسع وخمسين ببغداد.
وتوفي صبح يوم الأحد لست خلون من المحرم سنة ست وأربعمائة، ودفن بداره أولاً، ثم دفن بكربلاء أو الكاظمية ثانياً، كما ذكرنا في ترجمة المرتضى جنازته جزعاً، بل ذهب إلى قبري الكاظميين عليهما السلام ورثاه بقصيدة غراء تكشف عن جزعه يقول فيها:
يا للرّجالِ لفجعةٍ جذمتْ يدي ... ووددتُ لو ذهبتْ علىّ براسي
ما زلتُ ((أحذر)) وردها حتى أتتْ ... فحسوتها في بعض ما أنا حاسِ
ومطلتها زمناً فلمّا صمَّمتْ ... لم يثنها مطلى وطول مكاسي
لله عمركَ من قصيرٍ طاهرٍ ... ولربَّ عمرٍ طال بالأوناس
ورثاه تلميذه مهيار بن مرزويه الكاتب بقصيدة أولها:
من جبَّ هاشم وسنامها ... ولوى لؤيَّاً واستزلَّ مقامها؟
وغزا قريشاً في البطاح فلفَّها ... بيد وقوَّض عزَّها وخيامها؟
وأناخ في مضرٍ بكلكل خسفهِ ... يستام فاحتملتْ له ما سامها؟
من حلَّ مكّة فاستباح حريمها ... والبيتُ يشهد واستحلَّ حرامها؟
ومضى ليثرب مزعجاً ما شاء من ... تلك القبور الطاهراتِ عظامها؟
وهي طويلة فشقت على حساده، فرثاه بأخرى جاد بها وعرض بهم وهي قوله: