الطليعه من شعراء الشيعه - السماوي، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٣
كان خطيبا فقيهاً حافظاً للقرآن، ثبت الجنان، كاتباً حسن الحظ، نسابة متكلماً فارساً رامياً، شجاعاً سخياً شاعراً، قد اجتمع فيه اثنتا عشرة خصلة، كما ذكره بعضهم.
وكان شاعر أهل البيت، ولا بدع في سبق الكميت كم رفع يديه الصادق، أبو عبد الله جعفر وقال: اللهم اغفر للكميت ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وكان مدح آل محمد صلى الله عليه وسلم بالهاشميات السبع، وهجا اليمن بقصيدته المعروفة ليفرق بها بين جند بني أمية من النزاريين واليمانيين، فغضب خالد ابن عبد الله القصري فابتاع جواري حفظهن الهاشميات، وبعث بهن إلى هشام بن عبد الملك فاستنشدهن فأنشدن الهاشميات، فسألهن لمن؟ قلن للكميت، فطلب رأسه من خالد كما تمنى، فأرسل إليه وحبسه، فعلم يحيى بن يعمر العدواني وكان صديقاً له وشيعياً، فأرسل امرأة الكميت إلى الحبس وقال لها: ليلبس ثيابك ويخرج، وأنت لا بأس عليك، ففعلت وخرج هارباً، ومنعها قومها، ثم ذهب إلى الشام واستجار بقبر معاوية من هشام ضارباٌ عليه خيمته، فذهب ولده فقيدوا أنفسهم معه، فلما علم هشام به طلبه، فأدخلوا جميعاٌ على هشام مقيدين، فنظرهم وهم يقولون: استجار بقبر أبينا فاعف عنه واقتلنا معه، فعفا عنه لحبه معاوية أباهم، فخطب الكميت خطبة بليغة ارتجل بها من الشعر ما طاب به خاطره، فأجازه وأكرم مثواه ومنقلبه، فكتب إلى خالد أن لا يتعرضه بسوء، فرجع إلى البصرة، فمن شعره قوله:
ألا لا أرى الأيام يفنى عجيبها ... لطول ولا الأحداث تفنى خطوبها
ولا غير الأيام يعرف بعضها ... ببعض من الأقوام إلا لبيبها
ولم أرى قول المرء إلا كنبله ... له وبه محرومها ومصيبها
وما غيب الأقوام عن مثل خطةٍ ... تغيب عنها يوم قيلت أريبها
وأجهل جهل القوم ما في عدوهم ... وأردأ أحلام الرجال غريبها
وما غبن الأقوام مثل عقولهم ... ولا مثلها كسباً أفاد كسوبها
وهل يعدون بين الحبيب فراقه ... نعم داء نفس أن يبين حبيبها
ولكن صبراً عن أخٍ لك صابرٌ ... عزاءً إذا ما النفس حن طروبها
رأيت عذاب الماء إن حيل دونها ... كفاك لما لا بد منه شروبها
ولو لم يكن إلا الأسنة مركباً ... فما حيلة المضطر إلا ركوبها
ومن هاشمياته قوله:
نفى عن عينك الأرق الهجوعا ... وهم يمتري منها الدموعا
دخيل في الفؤاد يهيج سقماً ... وحزناً كان من جذل منوعاً
ولو كان الدموع على اكتئاب ... أحل الدهر موجعه الضلوعا
ترقرق أسجماً درراً وسكباً ... يشبه سحها غرباً هموعاً
لفقدان الخضارم من قريش ... وخير الشافعين معاًشفيعا
لدى الرحمن يصدع بالمثاني ... وكان له أبو حسن مصيعا
حظوظاً في مسرته ومولى ... إلى مرضاة خالقه سريعا
وأصفاه النبي على اختيار ... بما أعيى الرفوض له المذيعا
ويوم الدوح دوح غدير خم ... أبان له الولاية لو أطيعا
ولكن الرجال تبايعوها ... فلم أرى مثلها خطراً مبيعا
ولم أر مثل ذاك اليوم يوماً ... ولم أر مثله حقاً أضيعا
فلم أبلغ بها لعناً ولكن ... أساء بذاك أولهم صنيعا
فصار بذاك أقربهم لعدل ... إلى جور وأحفظهم مضيعا
أجاع الله من أشبعتموه ... وأشبع من بجوركم أجيعا
ويلعن فذ أمته جهاراً ... إذا ساس البرية والخليعا
بمأمون السياسة هاشمي ... يكون حياً لأمته ربيعا
وليثاً في المشاهد غير نكس ... لتقويم البرية مستطيعا
يقيم أمورها ويذب عنها ... ويترك جدبها أبداً مريعا
وهاشمياته مطبوعة فلا نحتاج إلى الإكثار منها.
ولد الكميت بالكوفة أيام مقتل الحسين عليه السلام.
وتوفي شهيداً سنة ست وعشرين ومائة بالكوفة في خلافة مروان بن محمد، وكان سبب قتله أن الجعفري خرجت على خالد القسري، وكان خالد على المنبر يخطب فأعلم بهم فدهش وارتج عليه فلم يدر ما يقول فزعاً، ثم قال: أطعموني ماء، ولما أخذوا، ثم عزل خالد فولي العراق يوسف بن عمر الثقفي، ودخل عليه الكميت فأنشده والجند على رأسه وكانوا صنائع خالد القسري:
خرجت لهم تمشي البراح ولم تكن ... كمن حظه فيه الرتاج المضبب