نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٩٨ - تمهيد
في البحوث السابقة وأثناء تفسير الآية ١٢٤ من سورة البقرة، قرأنا ما يتعلق بعظمة مقام الإمامة والولاية في قصة إبراهيم عليه السلام حيث أنّ اللَّه تبارك وتعالى قد أخضع هذا النبي العظيم إلى العديد من الاختبارات المهمّة، ولما خرج منها ظافراً قال له: «انِّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ امَاماً» (فالإمامة تعني الهيمنة على الجسم والروح، وتربية النفوس والمجتمعات البشرية).
وعندما سأل إبراهيم عليه السلام هذا المقام لبعض ذريته وأبنائه، جوبه بالرد الإلهي المشروط، فقال تعالى: «لَايَنَالُ عَهدِىِ الظَّالِميِنَ»، أي (أنّ الرهط الطاهر والمعصوم من أبنائك يستحقون هذا المقام فقط).
وقد تبيّن في تلك البحوث كيف أنّ هذا المقطع من الآية دليل على عصمة الأئمّة، وأنّ الذين أمضوا عمرهم في طريق الكفر والشرك من ناحية الاعتقادات، أو من ناحية أعمالهم حيث ارتكبوا الظلم بحق أنفسهم أو الآخرين، لا يستحقون هذا المقام، لأنّ الظلم بالمعنى الشامل للكلمة يشمل الظلم والشرك والكفر والانحرافات العقائدية، وكذلك جميع أشكال التجاوز على الآخرين، وظلم النفس عن طريق ارتكاب المعصية.
وحيث إنّ هذه البحوث قد جاءت هناك بشكل مفصل ومستفيض فلا نرى حاجة للتكرار، وعليه فقد وضع القرآن الكريم الركيزة الأساسية لشرط عصمة الأئمّة في هذه الآية الكريمة.
والآن نعود إلى آية التطهير وبحث مسألة العصمة الواردة في هذه الآية:
صحيح أنّ هذه الآية تتوسط الآيات المتعلقة بنساء النبي صلى الله عليه و آله إلّاأنّها تحمل نغمة مختلفة عنها، وتشير إلى معنى آخر، فجميع الآيات التي سبقتها وتلتها جاءت بضمير «جمع المؤنث» بينما جاءت الآية محل البحث بضمائر «جمع المذكر»!
ففي مستهل هذه الآية خاطب تعالى نساء النبي صلى الله عليه و آله وأمرهنّ بالمكوث في بيوتهن، وأن لا يخرجن بين الناس كما كان سائداً في الجاهلية، ويحافظن على معايير العفة، وأن يقمن الصلاة ويؤتين الزكاة ويطعن اللَّه ورسوله «وَقَرنَ فِى بُيُوتِكُنَّ وَلَاتَبَرَّجنَ تَبَرُّجَ الجَاهِليَّةِ الاولَى وَاقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَاطِعنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ». (الاحزاب/ ٣٣)