نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٥ - تمهيد
وَالْأَبرَصَ بِإِذْنِى وَاذْ تُخْرِجُ المَوتَى بِإِذْنىِ». (المائدة/ ١١٠)
والملفت للنظر هو أنّ اختلاف التعبير الذي كان في سورة آل عمران ظاهرٌ بدقّة هنا أيضاً، أيلم تُنسب مسألة الخلق وخلق الطير إلى المسيح عليه السلام، ولكن نُسبَ إليه احياء الموتى وشفاء المرضى والعمي الذين يستحيل علاجهم، وإنْ جاء التعبير بإذن اللَّه في كل ذلك.
وملخص الكلام أنّ هذه الآيات تثبت بأنَّ الولاية التكوينية لعيسى عليه السلام هي في نطاق خاص، وليس هنالك دليلٌ على اختصاصها المطلق بالمسيح عليه السلام، ويمكن أن تصدق بحق سائر الأنبياء أو الأئمّة المعصومين عليهم السلام بمقتضى أنّ: «حكمُ الأمثال في ما يجوز وما لا يجوز واحدٌ».
وفي الآية الثانية يتحدث تعالى عن تسخير الرياح لسليمان عليه السلام ويقول: «فَسَخَّرنَا لَهُ الرِّيحَ تَجرِى بِأَمرِهِ رُخَاءً حَيثُ اصَابَ».
ويستفاد من هذه الآية والآيات التي تليها أنّه وكما أنّ الشياطين كانت تُنفِّذ أمر سليمان وتنجزُ له أعمالًا مهمّةً في البر والبحر، فإنّ الريح كانت تُنفِّذ أمره أيضاً، وكانت تتحرك حيث يأمرها، وهذا الأمر ليس سوى مصداق للولاية التكوينية في هذا الجانب من الموجودات.
وورد نظير هذا المعنى أيضاً في سورة الأنبياء، والحديث هنا عن أمر سليمان عليه السلام على العواصف، إذ يقول تعالى: «وَلِسُلَيَمانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجرِى بِأَمرِهِ الَى الارضِ الَّتِى بَارَكنَا فِيهَا».
(الانبياء/ ٨١)
وهذا الاحتمال واردٌ أيضاً فيما جاء في قصة موسى عليه السلام في البقرة، الآية ٦٠: (من ضرب الحجر وانبثاق عين الماء فيه بإذن اللَّه)، (وكذا ضربُ البحر بالعصا، حيث يقول تعالى: «فَاوْحَيْنَا الَى مُوسَى انِ اضْرِبْ بِّعَصَاكَ البَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّودِ العَظِيمِ». (الشعراء/ ٦٣)