نفحات القرآن - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١١٠ - أجوابة عن عدّة أسئلة
لو كان قائل هذا الكلام يبحث التعبير ب «يريد» في آيات القرآن الكريم بدقة وتمعُّن لما تفوَّه بمثل هذا الكلام، لأنّ هذه الكلمة طالما استعملت في الكثير من آيات القرآن الكريم بشأن الامور المتعلقة بالإرادة المستمرة من الماضي وحتى الآن، ومن الآن إلى المستقبل، وبتعبير آخر: إنّ هذه العبارة غالباً ماتستعمل للدلالة على استمرار وثبات المشيئة على شيء ما في الماضي والحاضر والمستقبل، ويمكن ملاحظة صدق هذا الكلام في الآيات التالية:
«وَمَا اللَّهُ يُريدُ ظُلْماً لِلعَالَمِينَ». (آل عمران/ ١٠٨)
«يُريدُ اللّهُ بِكُمُ اليُسرَ وَلَايُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ». (البقرة/ ١٨٥)
«يُريدُ اللَّهُ انْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ». (النساء/ ٢٨)
وبديهي أنّ مفهوم هذه الآيات ليس هو أنّ اللَّه أراد ظلماً في السابق، وكان يريد بكم العسر قبل ذلك، أو أنّه لم يُرِدْ سابقاً التخفيف عنكم واليوم فعل هكذا، بل إنّ مفاد هذه الآيات جميعها هو أنّه أراد هكذا في الماضي والحاضر وفي المستقبل.
وكذلك قال تعالى بشأن الشيطان: «وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُم ضَلَالًا بَعِيداً». (النساء/ ٦٠)
و «انَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ انْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ وَالبَغضَاءَ فِى الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ». (المائدة/ ٩١)
و «بَلْ يُرِيدُ إِلانسَانُ لِيَفْجُرَ امَامَهُ». (القيامة/ ٥)
يتضح جلياً من خلال هذه الآيات بيان الإرادة المستمرة للشيطان في الماضي والحاضر والمستقبل لإغواء الناس، وذلك بخلق العداوة والبغضاء عن طريق الخمر والقمار، وكذا مفهوم الآية الثالثة، وهو: إنّ الإنسان الجاحد يريد أن يكون متحرراً على الدوام ويرتكب الذنب، لذا فهو ينكر القيامة.
هنالك آيات كثيرة في القرآن تتابع هذا الموضوع، غير هذه الآيات الست أعلاه التي تبيّن أنّ استعمال كلمة «يريد» بنحو الاستمرارية يشمل الأزمنة الثلاثة.