نهج الدّعا (ع-ف) - محمدی ریشهری، محمد - الصفحة ١٧٤
١٢٩٣.الإمام الحسين عليه السلام : كُنتُ مَعَ عَلِيِّ بنِ أبي طالِبٍ عليه السلام في الطَّوافِ في لَيلَةٍ دَيجوجِيَّةٍ [١] قَليلَةِ النّورِ ، وقَد خَلاَ الطَّوافُ ، ونامَ الزُّوّارُ ، وهَدَأَتِ العُيونُ ، إذ سَمِعَ مستَغيثا مُستَجيرا مُتَرَحِّما [٢] بِصَوتٍ حَزينٍ مَحزونٍ مِن قَلبٍ موجَعٍ وهُوَ يَقولُ : يا مَن يُجيبُ دُعَا المُضطَرِّ فِي الظُّلَمِ يا كاشِفَ الضُّرِّ وَالبَلوى مَعَ السَّقَمِ قَد نامَ وَفدُكَ حَولَ البَيتِ وَانتَبَهوا يَدعو وعينُكَ يا قَيّومُ لَم تَنَمِ هَب لي بِجودِكَ فَضلَ العَفوِ عَن جُرُمي يا مَن أشارَ إلَيهِ الخَلقُ فِي الحَرَمِ إن كانَ عَفوُكَ لا يَلقاهُ ذو سَرَفٍ فَمَن يَجودُ عَلَى العاصينَ بِالنِّعَمِ قالَ الحُسينُ بنُ عَلِيٍّ عليه السلام : فَقالَ لي : يا أبا عَبدِ اللّه ِ ، أ سَمِعتَ المُنادِيَ ذَنبَهُ ، المُستَغيثَ رَبَّهُ ؟ فَقُلتُ : نَعَم قَد سَمِعتُهُ . فَقالَ : اِعتَبِرهُ [٣] ، عَسى [ أن ] [٤] تَراهُ . فَما زِلتُ أخبِطُ في طَخياءِ الظَّلامِ ، وأتَخَلَّلُ بَينَ النِّيامِ ، فَلَمّا صِرتُ بَينَ الرُّكنِ وَالمَقامِ ، بَدا لي شَخصٌ مُنتَصِبٌ ، فَتَأَمَّلتُهُ فإِذا هُوَ قائِمٌ ، فَقُلتُ : السَّلامُ عَلَيكَ أيُّهَا العَبدُ المُقِرُّ المُستَقيلُ ، المُستَغفِرُ المُستَجيرُ ، أجِب بِاللّه ِ ابنَ عَمِّ رَسولِ اللّه ِ صلى الله عليه و آله ! فَأَسرَعَ في سُجودِهِ وقُعودِهِ وسَلَّمَ ، فَلَم يَتَكَلَّم حَتّى أشارَ بِيَدِهِ بِأَن تَقَدَّمني ، فَتَقَدَّمتُهُ ، فَأَتَيتُ بِهِ أميرَ المُؤمِنينَ عليه السلام فَقُلتُ : دونَكَ ها هُوَ . فَنَظَرَ إلَيهِ ، فَإِذا هُوَ شابٌّ حَسَنُ الوَجهِ نَقِيُّ الثِّيابِ ، فَقالَ لَهُ : مِمَّنِ الرَّجُلُ ؟ فَقالَ لَهُ : مِن بَعضِ العَرَبِ . فَقالَ لَهُ : ما حالُكَ ، ومِمَّ بُكاؤُكَ وَاستِغاثَتُكَ ؟ ! فَقالَ : حالُ مَن أُوخِذَ بِالعُقوقِ فَهُو في ضيقٍ ، ارتَهَنَهُ المُصابُ ، وغَمَرَهُ الاِكتِئابُ فَارتابَ [٥] ، فَدُعاؤُهُ لا يُستَجابُ . فَقالَ لَهُ عَلِيٌّ عليه السلام : ولِمَ ذلِكَ ؟ ! فَقالَ : لاِ نّي كُنتُ مُلتَهِيا في العَرَبِ بِاللَّعِبِ وَالطَّرَبِ ، اُديمُ العِصيانَ في رَجَبٍ وشَعبانَ ، وما اُراقِبُ الرَّحمنَ ، وكانَ لي والِدٌ شَفيقٌ يُحَذِّرُني مَصارِعَ الحَدَثانِ ، ويُخَوِّفُنِي العِقابَ بِالنّيرانِ ، ويَقولُ : كَم ضَجَّ مِنكَ النَّهارُ وَالظَّلامُ ، وَاللَّيالي وَالأَيّامُ ، وَالشُّهورُ وَالأَعوامُ ، وَالمَلائِكَةُ الكِرامُ ؟ ! وكانَ إذا ألَحَّ عَلَيَّ بِالوَعظِ زَجرَتُهُ وَانتَهَرتُهُ ، ووَثَبتُ عَلَيهِ وضَرَبتُهُ ، فَعَمَدتُ يَوما إلى شَيءٍ مِنَ الوَرِقِ [٦] وكانَت فِي الخِباءِ ، فَذَهَبتُ لاِخُذَها وأصرِفَها فيما كُنتُ عَلَيهِ ، فَمانَعَني عَن أخذِها ، فَأَوجَعتُهُ ضَربا ولَوَيتُ يَدَهُ ، وأخَذتُها ومَضَيتُ . فَأَومَأَ بِيَدِهِ إلى رُكبَتَيهِ يَرومُ النُّهوضَ مِن مَكانِهِ ذلِكَ ، فَلَم يُطِق يُحَرِّكُها مِن شِدَّةِ الوَجَعِ وَالأَلَم ، فَأَنشَأَ يَقولُ : جَرَت رَحِمٌ بَيني وبَينَ مُنازِلٍ سَواءً كَما يَستَنزِلُ القَطرَ طالِبُه ورَبَّيتُ حَتّى صار جَلدا شَمَردَلاً إذا قامَ ساوى غارِبَ الفَحلِ غارِبُه وقَد كُنتُ اُوتيهِ مِنَ الزّادِ فِي الصِّبا إذا جاعَ مِنهُ صَفوَهُ وأطايِبَه فَلَمَّا استَوى في عُنفُوانِ شَبابِهِ وأصبَحَ كَالرُّمحِ الرُّدَينيِّ خاطِبُه تَهَضَّمَني مالي كَذا ولَوى يَدي لَوى يَدَهُ اللّه ُ الَّذي هُوَ غالِبُه ثُمَّ حَلَفَ بِاللّه ِ لَيَقدَمَنَّ إلى بَيتِ اللّه ِ الحَرامِ فَيَستَعدِي اللّه َ عَلَيَّ . قالَ : فَصامَ أسابيعَ ، وصَلّى رَكَعاتٍ ، ودَعا ، وخَرَجَ مُتَوَجِّها عَلى عَيرانَةٍ [٧] يَقطَعُ بِالسَّيرِ عَرضَ الفَلاةِ ، ويَطوِي الأَودِيَةَ ويَعلُو الجِبالَ ، حَتّى قَدِمَ مَكَّةَ يَومَ الحَجِّ الأَكبَرِ ، فَنَزَلَ عَن راحِلَتِهِ وأقبَلَ إلى بَيتِ اللّه ِ الحَرامِ ، فَسَعى وطافَ بِهِ ، وتَعَلَّقَ بِأَستارِهِ وَابتَهَلَ ، وأنشَأَ يَقولُ : يا مَن إلَيهِ أتَى الحُجّاجُ بِالجَهَدِ فَوقَ المَهاوي مِنَ اقصى غايَةِ البُعدِ إنّي أتَيتُكَ يا مَن لا يُخَيّبُ مَن يَدعوهُ مُبتَهِلاً بِالواحِدِ الصَّمَدِ هذا مُنازِلُ لا يَرتاعُ مِن عققي فَخُذ بِحَقّيَ يا جَبّارُ مِن وَلَدي حَتّى تُشِلَّ بِعَونٍ مِنكَ جانِبَهُ يا مَن تَقَدَّسَ لَم يُولَد ولَم يَلِدِ قالَ : فَوَالَّذي سَمَكَ السَّماءَ ، وأنبَعَ الماءَ ، مَا استَتَمَّ دُعاءَهُ حَتّى نَزَلَ بي ما تَرى ـ ثُمَّ كَشَفَ عَن يَمينِهِ فَإِذا بِجانِبِهِ قَد شَلَّ ـ فَأَنَا مُنذُ ثَلاثِ سِنينَ أطلُبُ إلَيهِ أن يَدعُوَ لي [٨] فِي المَوضِعِ الَّذي دَعا بِهِ عَلَيَّ فَلَم يُجِبني ، حَتّى إذا كانَ العامُ أنعَمَ عَلَيَّ فَخَرَجتُ عَلى ناقَةٍ عُشَراءَ [٩] أجِدُّ السَّيرَ حَثيثا رَجاءَ العافِيَةِ ، حَتّى إذا كُنّا عَلَى الأَراكِ [١٠] وحَطَمَةِ وادِي السِّياكِ [١١] ، نَفَرَ طائِرٌ فِي اللَّيلِ فَنَفَرَت مِنهُ النّاقَةُ الَّتي كانَ عَلَيها فَأَلقَتُه إلى قَرارِ الوادي ، وَارفَضَّ بَينَ الحَجَرَينِ ، فَقَبَرتُهُ هُناكَ ، وأعظَمُ مِن ذلِكَ أ نّي لا اُعرَفُ إلاّ « المَأخوذَ بِدَعَوةِ أبي��ِ » . فَقالَ لَهُ أميرُ المُؤمِنينَ عليه السلام : أتاكَ الغَوثُ ! ألا اُعَلِّمُكَ دُعاءً عَلَّمَنيهِ رَسولُ اللّه ِ صلى الله عليه و آله وفيهِ اسمُ اللّه ِ الأَكبَرُ الأَعظَمُ العَزيزُ الأَكرَمُ ، الَّذي يُجيبُ بِهِ مَن دَعاهُ ، ويُعطي بِهِ مَن سَأَلَهُ ، ويُفَرِّجُ الهَمَّ ، ويَكشِفُ بِهِ الكَربَ ، ويُذهِبُ بِهِ الغَمَّ ، ويُبرِئُ بِهِ السُّقمَ ، ويَجبُرُ بِهِ الكَسيرَ ، ويُغني بِهِ الفَقيرَ ، ويَقضي بِهِ الدَّين ، ويَرُدُّ بِهِ العَينَ ، ويَغفِرُ بِهِ الذُّنوبَ ، ويَستُرُ بِهِ العُيوبَ ، ويُؤمِنُ بِهِ كُلَّ خائِفٍ مِن شَيطانٍ مَريدٍ وجَبّارٍ عَنيدٍ ، ولَو دَعا بِهِ طائِعٌ للّه ِِ عَلى جَبَلٍ لَزالَ مِن مَكانِهِ ، أو عَلى مَيِّتٍ لَأَحياهُ اللّه ُ بَعدَ مَوتِهِ ، ولَو دَعا بِهِ عَلَى الماءِ لَمَشى عَلَيهِ بَعدَ أن لا يَدخُلَهُ العُجبُ . فَاتَّقِ اللّه َ أيُّهَا الرَّجُلُ فَقَد أدرَكَتنِي الرَّحمَةُ لَكَ ، وليَعلَمِ اللّه ُ مِنكَ صِدقَ النِّيَّةِ أ نَّك لا تَدعو بِهِ في مَعصِيَتِهِ ، ولا تُفيدُهُ إلاَّ الثِّقَةَ في دينِكَ ، فَإِن أخلَصتَ النِّيَّةَ استَجابَ اللّه ُ لَكَ ، ورَأَيتَ نَبِيَّكَ مُحَمَّدا صلى الله عليه و آله في مَنامِكَ ، يُبَشِّرُكَ بِالجَنَّةِ وَالإِجابَةِ . قالَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ عليهماالسلام : فَكانَ سُروري بِفائِدَةِ الدُّعاءِ أشَدَّ مِن سُرورِ الرَّجُلِ بِعافِيَتِهِ وما نَزَلَ بِهِ ؛ لاِ نَّني لَم أكُن سَمِعتُهُ مِنهُ ، ولا عَرَفتُ هذَا الدُّعاءَ قَبلَ ذلِكَ . ثُمَّ قالَ : اِيتِني بِدَواةٍ وبَياضٍ وَاكتُب ما اُمليهِ عَلَيكَ . فَفَعَلتُ ؛ وهُوَ : «بِسمِ اللّه ِ الرَّحمنِ الرَّحيمِ ، اللّهُمَّ إنّي أسأَلُكَ بِاسمِكَ يا ذَا الجَلالِ وَالإكرامِ ... » [١٢] وتَسأَلُ اللّه َ تَعالى ما أحبَبتَ ، وتُسَمّي حاجَتَكَ ، ولا تَدعُ بِهِ إلاّ وأنتَ طاهِرٌ . ثُمَّ قالَ لِلفَتى : إذا كانَتِ اللَّيلَةُ فَادعُ بِهِ عَشرَ مَرّاتٍ وَأْتِني مِن غَدٍ بِالخَبَرِ . قالَ الحُسَينُ بنُ عَلِيٍّ عليهماالسلام : وأخَذَ الفَتَى الكِتابَ ومَضى ، فَلَمّا كانَ مِن غَدٍ ما أصبَحنا حينا [١٣] حَتّى أتَى الفَتى إلَينا سَليما مُعافىً ، وَالكِتابُ بِيَدِهِ ، وهُوَ يَقولُ : هذا وَاللّه ِ الاِسمُ الأَعظَم ، استُجيبَ لي ورَبِّ الكَعبَةِ . قالَ لَهُ عَلِيٌّ صَلَواتُ اللّه ِ عَلَيهِ : حَدِّثني ! قالَ : [ لمّا ] [١٤] هَدَأَتِ العُيونُ بِالرُّقادِ ، وَاستَحلَكَ جِلبابُ اللَّيلِ ، رَفَعتُ يَدي بِالكِتابِ ودَعَوتُ اللّه َ بِحَقِّهِ مِرارا ، فَاُجِبتُ فِي الثّانِيَةِ : حَسبُكَ فَقَد دَعَوتَ اللّه َ بِاسمِهِ الأَعظَمِ . ثُمَّ اضطَجَعتُ ، فَرَأَيتُ رَسولَ اللّه صلى الله عليه و آله في مَنامي وقَد مَسَحَ يَدَهُ الشَّريفَةَ عَلَيَّ وهُوَ يَقولُ : اِحتَفِظ بِاسمِ اللّه ِ الأَعظَمِ العَظيمِ ، فَإِنَّكَ عَلى خَيرٍ . فَانتبَهَتُ مُعافىً كَما تَرى ، فَجَزاكَ اللّه ُ خَيرا . [١٥]
[١] دَجا الليلُ : إذا تَمّت ظُلمتُه وألبس كُلَّ شيء (النهاية : ج ٢ ص ١٠٢) .[٢] في أحد موضعي بحار الأنوار : «مُستَرحِما» بدل «مُترَحِّما» ، وهو الأصحّ .[٣] اِعتَبِر : اُنظر وتَدَبَّر (اُنظر لسان العرب : ج ٤ ص ٥٣١) .[٤] ما بين المعقوفين أثبتناه من بحار الأنوار .[٥] في بحار الأنوار : ج ٤١ ص ٢٢٥ «فإن تابَ» بدل «فَارتابَ» .[٦] الورق : الدراهم (لسان العرب : ج ١٠ ص ٣٧٥) .[٧] العَيرانة من الإبل : الناجية في نشاط ، سُمّيت لكثرة تَطْوافِها وحركتها (تاج العروس : ج ٧ ص ٢٨٢) .[٨] في المصدر : «يدعوني» ، والتصويب من بحار الأنوار .[٩] العُشَراء : الَّتي أتى على حَملها عشرة أشهر ، ثمّ اتّسع فيه فقيل لكلّ حامل : عُشراء (النهاية : ج ٣ ص ٢٤٠) .[١٠] الأراك : هو وادي الأراك ، قرب مكّة (معجم البلدان : ج ١ ص ١٣٥) .[١١] في المصدر : «وحطته وادي السجال» ، والتصويب من بحار الأنوار .[١٢] اُنظر تمام الدّعاء في المصدر ، ولم نورِده هنا لِطُوله .[١٣] في المصدر : «حسنا» ، والتصويب من بحار الأنوار .[١٤] الزيادة من بحار الأنوار .[١٥] مهج الدعوات : ص ١٩١ ، بحار الأنوار : ج ٤١ ص ٢٢٤ ح ٣٧ و ج ٩٥ ص ٣٩٤ ح ٣٣ .